عبدالعزيز العبيد
عندما تأسست الدولة السعودية عام 1727 على يد الإمام محمد بن سعود، لم يكن الأمر مجرد إعلان عن وجود كيان سياسي جديد. كان في ذلك لحظة تثبيت الاستقرار، وهو شرط أساسي لأي تطور وازدهار. فالعقار، بطبيعته، لا يزدهر في ظل الفوضى أو الاضطراب، بل يحتاج إلى دولة قوية تضمن الحقوق، وتنظم الأسواق، وتحمي الملكيات. لذلك، فيوم التأسيس ليس فقط ذكرى عابرة، بل ركيزة أساسية قامت عليه منظومة اقتصادية حديثة، في قلب منظومة كُبرى، يبرز خلالها القطاع العقاري كواحد من أهم القوى الدافعة للنمو الاقتصادي، لاسيما مع إطلاق رؤية السعودية 2030، وقد انتقل السوق العقاري من مرحلة النمو التقليدي إلى مرحلة الاحتراف المؤسسي، حيث أصبحت الشفافية، وحوكمة البيانات، ودقة التقييم أدوات رئيسة في صناعة القرار.
لقد أعادت الرؤية تعريف قيمة العقار، ليس فقط كأصلٍ استثماري، بل كرافعة تنموية ترتبط بالإسكان، وجودة الحياة، وجذب الاستثمارات، ما جعل يوم التأسيس مناسبة نستحضر فيها جذور الاستقرار، ونقرأ من خلالها تحولات السوق العقارية الحديثة بثقة وأرقام ومعايير مهنية راسخة. فالدولة لا تُشيّد بالأسوار وحدها، بل بمنظومة استقرارٍ تُنتج سوقاً، وتُطلق استثماراً، وتُقيم عمراناً.
من هنا، كان يوم التأسيس ليس مناسبة رمزية فحسب، بل هو الجذر العميق الذي انطلقت منه مسيرة التنمية، وفي مقدمتها القطاع العقاري بوصفه أحد أهم محركات الاقتصاد الوطني، فقد دخل القطاع العقاري مرحلة إعادة هيكلة شاملة، جعلته أكثر تنظيماً وشفافية وجاذبية للاستثمار المحلي والدولي. حيثُ تجاوزت قيمة السوق العقارية السعودية في 2025 حاجز التريليون ريال من حيث إجمالي الأصول المتداولة، فيما سجلت الصفقات العقارية نمواً سنوياً تراوح بين 8 % و12 % خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، مدفوعة بزيادة الطلب السكني، واتساع المشاريع التجارية واللوجستية.
لقد ارتفعت مؤشرات النمو حتى 2026 برؤية صادقة ارتفع معها نسبة تملك المواطنين للمساكن إلى ما يقارب 64 %، مع استهداف 70 % بحلول 2030. كما نما القطاع السكني بمعدل سنوي يقارب 7 % مدفوعاً ببرامج الدعم السكني، كما نما العقار الصناعي واللوجستي بأكثر من 12 % سنوياً، تزامناً مع توسع المناطق الاقتصادية وسلاسل الإمداد، وزادت نسبة المساحات التجارية والمكتبية في المدن الكبرى بنسبة تقارب 10 % خلال عامي 2024 - 2025، ليكون بهذا الحراك قمة الإرادة السعودية فلم يكن عفوياً، بل جاء نتيجة حزمة إصلاحات تنظيمية وتشريعية، من أبرزها نظام التسجيل العيني للعقار، وتنظيم صناديق الاستثمار العقاري (REITs)، وتعزيز حوكمة المزادات والمنصات الرقمية.
في ظل هذا النمو المتسارع، برزت أهمية التقييم والدراسات العقارية (عقل السوق ومرآته) كركيزة أساسية لصناعة القرار. فالتقييم الدقيق لا يحفظ حقوق المستثمرين فحسب، بل يرفع كفاءة تخصيص الموارد، ويعزز الثقة في السوق. وقد أسهمت الهيئات التنظيمية، وعلى رأسها الهيئة السعودية للمقيمين المعتمدين، في رفع معايير المهنة، وإرساء قواعد الشفافية والحوكمة. وباتت الدراسات العقارية الحديثة تعتمد على تحليل البيانات الضخمة، ومؤشرات العرض والطلب، ودورات السوق، ما مكّن الجهات الحكومية من رسم سياسات إسكانية أكثر توازناً، كما ساعد المطورين على اتخاذ قرارات استثمارية قائمة على أسس علمية، لا على اجتهادات تقديرية.
لقد أسهمت المبادرات كبرامج مثل «سكني»، وتطوير الأنظمة التمويلية عبر البنك المركزي، بتعزيز الثقة والاستدامة، جنباً لتوسيع دور صندوق الاستثمارات العامة في المشاريع العملاقة، في تعزيز استقرار السوق. كما أن المشاريع الكبرى مثل نيوم والقدية والبحر الأحمر أعادت تعريف مفهوم التطوير العقاري، ليصبح جزءاً من منظومة اقتصادية متكاملة، لا مجرد نشاط إنشائي.
في يوم التأسيس، نستحضر أن الاستقرار الذي بدأ قبل ثلاثة قرون هو ذاته الذي يصنع اليوم سوقاً عقارية ناضجة ومؤثرة. والمرحلة المقبلة تتطلب مزيداً من تطوير أدوات التقييم، وتعميق الدراسات المتخصصة، وتبني الحلول التقنية، لضمان سوق أكثر استدامة وشفافية، قادرة على دعم النمو الاقتصادي لعقود قادمة.