مرفت بخاري
منذ اللحظة الأولى التي يفتح فيها الإنسان عينيه على الدنيا، لا يرى وطناً ولا اسماً ولا هوية، بل يرى أمّاً، هي البداية وهي المعنى الأول للأمان، وهي الحضن الذي تتكوّن فيه ملامح الروح قبل ملامح الجسد، في صوتها سكينة، وفي يدها طمأنينة، وفي قلبها عالمٌ صغير يتّسع لكل مخاوفنا وأحلامنا.
الأم ليست علاقة دمٍ فحسب، بل هي ضمان الوجود واستمراره، بها نحيا، وبها نتعلم كيف نحب، وكيف نصبر، وكيف ننهض بعد السقوط، لذلك لم يكن غريباً أن تتفق الفطرة قبل الشرائع على تقديسها، وأن ترفعها الأديان إلى مقامٍ عالٍ من البر والوصية، فتجعل رضاها من رضا الله، والإحسان إليها عبادةً لا تنقضي بمرور السنين. ولأن الإنسان مفطورٌ على ردّ الجميل، كان البرّ بالأم ديناً في الأعناق، وعهداً لا يسقط، ومسؤولية لا تُؤجّل، فهي التي أعطت بلا مقابل، وضحّت بلا ضجيج، وصبرت بلا شكوى، فكان الوفاء لها أقلّ ما تستحقّه قلوبٌ عرفت معنى العطاء.
غير أن للأمومة وجهاً آخر يتّسع كالسماء، ويتدفّق كالوادي بعد المطر، وجهٌ لا يقتصر على الدفء المنزلي، بل يشمل تراباً يحمل تاريخنا، وجبلاً يحرس أحلامنا، ومآذنَ ترفع أرواحنا إلى السماء، إنها الوطن الأم، تلك الصورة الأشمل من الأمومة التي تمنح أبناءها الأمن كما تمنحهم الأرض، وتحملهم في سجلّها الذهبي كما حملتهم أمهاتهم في الأحشاء.
في الثاني والعشرين من فبراير، نستحضر لحظة الميلاد الأولى لهذا الكيان العظيم، ذكرى يوم التأسيس حين تولّى الإمام محمد بن سعود الحكم عام 1727م لتبدأ رحلة دولةٍ كتبت تاريخها بدماء الإرادة، ورسمت ملامحها بحبر التوحيد، وسارت على درب العزّة متوّجةً رأسها بتاج الشرعية والحكمة، منذ ذلك اليوم، والسعودية تمارس أمومتها في أبهى صورها، فلا تميّز بين أبنائها، بل تجعل من اختلافهم نسيجاً واحداً يلمع تحت شمس الوحدة.
هي التي تحرسنا بالأمن حين يهدّد الخطر، وتفتح لنا أبواب العلم حين نطلب المعرفة، وتزرع في صحرائنا مدن المستقبل حين نتطلّع إلى الغد، إنها الأم التي إذا اشتدّت الصعوبات ثبتت كالجبل، وإذا تعثّر أحد أبنائها نهضت به بلطف، وإذا نجح رفعت رأسها فخراً به كأن نجاحه نجاحها، وعطاؤه امتدادٌ لعطائها.
فإذا كانت هذه أمومتها... فكيف يكون برّنا؟ البرّ بالوطن ليس شعاراً يُرفع في المواسم ثم يُطوى مع الأعلام، بل هو سلوكٌ يُعاش كل صباح حين نفتح عيوننا على ترابها المبارك، هو أن نبني لا أن نهدم، أن نزرع الأمل لا أن نقتلع الثقة، أن نحفظ وحدته كما نحفظ دمعة أمّنا، وأن نرفع اسمه عالياً بعلمنا قبل ألسنتنا، وأخلاقنا قبل شعاراتنا، وعملنا قبل أحلامنا. الابن البار اليوم ليس من يردد الأناشيد فقط، بل هو المعلّم الذي يصنع من الطين وعياً، والطبيب الذي يداوي الجسد والروح معاً، والمهندس الذي يبني المدن بضمير، والجندي الذي يحرس التراب بدمه، والشاب الذي يمثّل وطنه في المحافل بابتسامته قبل كلمته، وسلوكه قبل مظهره.
البرّ أن نرى في كل حبة تمرٍ تُثمرها نخيلها شكرَ أمٍّ أرضعتنا من خيرها، وفي كل قطرة ماءٍ تتفجّر من آبارها ذكرى أمٍّ سقتنا من عطائها، ولأن الأم الحقيقية لا تُخذل، والوطن الأم لا يُساوَم عليه، فحبّه ليس خياراً نختاره، بل هو هويةٌ تختارنا، وينبوعٌ ننهل منه قبل أن نعرف معنى العطش.
في يوم التأسيس نجدد العهد ليس بكلماتٍ تذروها الرياح، بل بقلوبَ تنبض باسمها، وأيدي تبني لمستقبلها، وأرواحَ ترى في ترابها جذورها وفي سمائها فضاء واسع لآمالنا، نعاهدك يا مملكتنا أن تبقى في قلوبنا أماً لا تُضاهى، وفي أرواحنا هويةً لا تُبدّل، وفي أعمالنا رسالةً لا تنتهي، فمهما ابتعدنا جغرافياً، فإن أرواحنا تظلّ رهينةً لترابك، ومهما تغيّرت الأيام، فإن وجداننا يظلّ أسيراً لعطرك.
اللهم احفظ السعودية قيادةً وشعباً وأرضاً، واجعلنا من أبنائها الأبرار الذين يبرّونها بالعلم لا الجهل، وبالبناء لا الهدم، وبالوفاء لا النكران، واجعل من مجدها امتداداً لمجدنا، ومن عزّها درعاً لأبنائنا، ومن ترابها مهداً يُضمّد جراح كل تائهٍ يبحث عن أمه الحقيقية... فتجدها هنا، بين جبال الحجاز ورمال الربع الخالي، تنتظرنا دائماً بذراعين مفتوحتين، وأمومةٍ لا تنتهي.
كل عام وأنتم عنوان للبر وأمنا العظمى تتباهى ببرنا..