مجيب الرحمن بن عثمان
ليس كل استقلالٍ يُقاس بلحظة انفصال، ولا كل تاريخٍ يبدأ من وثيقة اعتراف أو قرارٍ دولي. فهناك أوطان وُلدت فكرةً قبل أن تكون حدودًا، وتأسست قيمةً قبل أن تُسمّى دولة.
يوم التأسيس السعودي ليس ذكرى عابرة في رزنامة وطن، بل إعلانٌ صريح بأن هذه البلاد لم تُصنع صدفة، ولم تُولد من فراغ، وإنما قامت على وعيٍ مبكر، ورؤيةٍ واضحة، وعقدٍ أخلاقيٍ متين بين الحاكم والناس.
ومع ذلك، ومن باب العدل الفكري والإنصاف الأخلاقي، لا يمكن إنكار التضحيات العظيمة التي قدّمتها شعوبٌ ودول في سبيل استقلالها من قوى استعمارية نهبت الثروات، وعبثت بهوية المجتمعات، وغيّرت ديموغرافيتها، وحاولت إعادة تشكيل الإنسان قبل الأرض. لقد دفعت أممٌ كثيرة أثمانًا باهظة من الدماء والأعمار حتى بلغت لحظة الاستقلال، وكان استقلالها عظمةً حقيقية وانتصارًا للإرادة ورفضًا للخضوع. فالاستقلال حين يُنتزع بالتضحية هو شرفٌ لا يُجادل فيه، وتجربة إنسانية تستحق الاحترام الكامل.
غير أن الفارق الفلسفي لا يكمن في قيمة التضحيات، بل في طبيعة المسار. فالاستقلال غالبًا تحرّرٌ من واقعٍ مفروض، وكسرٌ لقيدٍ خارجي، أما التأسيس فهو بناء وعيٍ سيادي من الداخل، وصياغة دولة قبل أن تُفرض عليها شروط الصراع. الاستقلال لحظة خلاص، أما التأسيس فهو لحظة ميلاد. الاستقلال ردّة فعل، بينما التأسيس فعلٌ واعٍ يسبق الفعل المضاد. ولهذا يمكن القول دون انتقاص أو مفاضلة أخلاقية: الاستقلال عظيم بتضحياته، لكن التأسيس أعظم بعمقه.
في عام 1727م، حين وضع الإمام محمد بن سعود اللبنة الأولى في الدرعية، لم يكن يؤسس كيانًا سياسيًا طارئًا، بل كان يؤسس فكرة دولة؛ دولة تقوم على الاستقرار قبل التوسع، وعلى العدل قبل القوة، وعلى الشرعية المتجذرة في الناس لا المفروضة عليهم. كان التأسيس هنا اختيارًا واعيًا، لا نتيجة ضغط، وبناءً هادئًا لا انفجارًا تاريخيًا مؤقتًا.
وحين تعرّضت هذه الفكرة لمحاولات الاجتثاث، وسقطت الدولة السعودية الأولى ثم الثانية، لم تسقط الفكرة، بل دخلت طور الكمون التاريخي، تنتظر من يعيد بعثها لا بوصفها حنينًا، بل باعتبارها مشروع دولة مكتملة الوعي. وهنا جاء دور القائد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، لا ليؤسس من فراغ، بل ليُعيد وصل ما انقطع، ويبعث الفكرة في جسد دولة حديثة.
لم يكن توحيد البلاد على يد الملك عبدالعزيز مجرد انتصارات عسكرية أو توسّع جغرافي، بل كان ملحمة سياسية وأخلاقية، خاضها برجالٍ آمنوا بالمشروع قبل الغنيمة، وبالدولة قبل القبيلة، وبالاستقرار قبل الفوضى. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عامًا من العمل والصبر والتأسيس المتدرّج، تُوّج هذا المسار بإعلان توحيد البلاد رسميًا في 23 سبتمبر 1932م، حين صدر القرار التاريخي بقيام المملكة العربية السعودية كدولةٍ موحّدة ذات سيادة، لا كنتاج لحظة عابرة، بل كثمرة وعيٍ متراكم ومسارٍ طويل من البناء.
ومن الدولة السعودية الأولى، مرورًا بمراحل الصمود والانبعاث، ثم توحيد البلاد وإعلان المملكة العربية السعودية، ظل خيط الفكرة متصلًا؛ لم تنقطع الشرعية، ولم تتبدل القيم، بل تجددت الدولة دون أن تفقد هويتها. ولهذا فإن يوم التأسيس السعودي ليس احتفالًا ببداية زمنية فحسب، بل احتفاءٌ باستمرارية فكرةٍ ناضجة سبقت زمنها، وبمسارٍ اختار البناء لا ردّة الفعل.
إن الاحتفال بيوم التأسيس السعودي ليس تمجيدًا للماضي، ولا وقوفًا عند لحظة تاريخية جامدة، بل استحضارٌ لمعنى الدولة حين تُبنى بالفكرة قبل القوة، وبالوعي قبل الصراع. هو تذكير بأن هذه البلاد لم تُخلق كردّة فعل على مستعمر، ولم تُفرض تحت ضغط اللحظة، بل نشأت من فهمٍ مبكر لمعنى السيادة، ومعنى الاجتماع، ومعنى الدولة نفسها. دولةٌ وُلدت بالوعي، واستمرت بالفكرة، وتوحّدت بالفعل، وبُنيت قبل أن تُختبر فصمدت حين اختُبرت، ولهذا، ومع كامل التقدير لتجارب الاستقلال العظيمة في العالم، يبقى يوم التأسيس السعودي خيرًا من ألف استقلال.