العقيد م. محمد بن فراج الشهري
يتم الاحتفاء سنوياً في 22 فبراير بذكرى الفخر والاعتزاز، ذكرى يوم التأسيس السعودي، وهو اليوم الذي يمثِّل العمق التاريخي والحضاري للمملكة العربية السعودية، ويعود إلى تأسيس الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود في منتصف عام 1139هـ (1727م)، عندما تولى إمارة الدرعية في نجد. هذا اليوم لا يرمز فقط لبداية الدولة، بل يعكس الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي وضع أسس الدولة الحديثة، ويعتبر مصدر فخر واعتزاز لكل السعوديين، إذ يؤكد على الارتباط الوثيق بين المواطنين وقادتهم منذ أكثر من ثلاثة قرون.
حيث تعود جذور الدولة السعودية الأولى إلى استقرار قبيلة بني حنيفة في وسط الجزيرة العربية منذ مطلع القرن الخامس الميلادي، حيث تأسست مملكة اليمامة التي أصبحت جزءاً من الدولة النبوية عند ظهور الإسلام. وقد ركز الاستقرار في وادي حنيفة ومنطقة العارض في نجد، لتصبح لاحقاً قاعدة مركزية للدولة السعودية. وبعد انتهاء الخلافة الراشدة، شهدت الجزيرة العربية حالة من الضعف والتشتت السياسي، حتى تمكَّن الأمير مانع بن ربيعة المريدي الحنفي في عام 850هـ (1446م) من العودة إلى وسط الجزيرة العربية وتأسيس مدينة الدرعية، التي كانت نواة انطلاق الدولة السعودية الأولى. ومن ثم، توالى على حكم الدرعية أحفاد مانع المريدي، حتى تولى الإمام محمد بن سعود الحكم في منتصف عام 1139هـ، ليؤسس الدولة السعودية الأولى ويجعل الدرعية عاصمة لها.
ولد الإمام محمد بن سعود في الدرعية عام 1090هـ (1679م)، ونشأ فيها متعلماً على تقاليد الحكم والإدارة، مشاركاً في الأحداث السياسية والعسكرية أثناء عهد جده وأبيه، مما أكسبه خبرة كبيرة في إدارة شؤون الحكم. وعند توليه الإمارة، ركز على توطيد الوحدة في الدرعية وحماية أمنها واستقرار محيطها من القبائل والبلدات المجاورة، بالإضافة إلى حماية طرق الحج والتجارة وتنظيم الاقتصاد المحلي، وتوسيع البنية التحتية، بما في ذلك أسوار الدرعية، لتصبح قاعدة انطلاق الدولة نحو توحيد نجد والمناطق المحيطة.
وبعد سقوط الدولة السعودية الأولى عام 1233هـ (1818م)، أعاد الإمام تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود تأسيس الدولة السعودية الثانية عام 1240هـ (1824م)، وجعل الرياض عاصمة لها بدلاً من الدرعية، واستمرت الدولة السعودية الثانية حتى عام 1309هـ (1891م). خلال هذه الفترة، تمكنت الدولة من الحفاظ على شرعية الحكم السعودي وتعزيز استقرار نجد ومحيطها، على الرغم من الضغوط والصراعات الداخلية والخارجية.
وبعد مرور عشر سنوات على نهاية الدولة الثانية، قاد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود جهوداً لإعادة توحيد البلاد، ونجح في استعادة الرياض عام 1319هـ (1902م)، مؤسساً بذلك الدولة السعودية الثالثة المعروفة اليوم باسم المملكة العربية السعودية. وقد بدأت الدولة باسم إمارة الرياض، ثم توسعت لتشمل إمارة نجد والأحساء بعد ضم الأحساء، واستمرت التوسعات حتى تمكن الملك عبدالعزيز عام 1921 من السيطرة على كامل أراضي نجد. ومع مرور الوقت، أصبح اسم الدولة سلطنة نجد، ثم مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها، قبل إعلان قيام المملكة العربية السعودية عام 1932م، معلناً بذلك نهاية مرحلة الانقسام السياسي في الجزيرة العربية وبداية مرحلة جديدة من الوحدة الوطنية.
تاريخياً، بدأ الملك عبدالعزيز رحلته لاستعادة الرياض في 15 ربيع الآخر 1319هـ (يوليو 1901م)، حيث توجه من الكويت مستأذناً والده الإمام عبد الرحمن والشيخ مبارك بن صباح. وقد دخل المدينة بشكل مفاجئ، ما دفع الحامية إلى التحصن في الحصن لمدة أربعة أشهر. خلال هذه المحاولة، اكتسب الملك عبدالعزيز معرفة دقيقة بأوضاع الرياض وأهلها ومدى ولائهم لآل سعود، مما عزَّز من عزيمته على استعادة الحكم وتحقيق الوحدة السياسية في نجد.
وبعد عودته إلى الكويت، خطط الملك عبدالعزيز للمرحلة الثانية، مستفيداً من خبراته السابقة، وأصر على الحصول على موافقة والده والشيخ مبارك للانطلاق لغزوات لاحقة، على الرغم من المخاطر التي قد تواجهه. وفي هذه الفترة، استطاع أن يحقق انتصارات أولية في مناطق جنوب الرياض، بما فيها بلدة الدلم قرب الخرج، وهو ما ساهم في تأمين خطوطه الدفاعية وتوطيد سيطرة آل سعود في الجنوب، ومهد الطريق لتوسيع نفوذهم تدريجياً.
وبعد نجاحه في الجنوب، توجه الملك عبدالعزيز نحو مناطق شمال الرياض لتوحيدها وتأمين الدولة من أي تهديد محتمل، فضم بلدة شقراء وثم ثرمداء، موحداً بذلك إقليم الوشم مع بقية مناطق الدولة.
واستمرت الفتوحات حتى تم استكمال توحيد المملكة تحت قيادة الملك عبدالعزيز آل سعود، واضعاً بذلك أسس الدولة السعودية الحديثة التي أصبحت رمزاً للوحدة والاستقرار في الجزيرة العربية، حاملة إرثاً يمتد لأكثر من ثلاثة قرون من الصمود والإنجاز.
فيوم التأسيس ليس مجرد ذكرى لتأسيس الدولة السعودية الأولى، بل يمثِّل الاعتزاز بالجذور التاريخية العميقة للمملكة، وتعزيز الانتماء الوطني، والاحتفاء بالوحدة والاستقرار الذي أسسته أجيال من القادة والمواطنين. ويؤكد اليوم على استمرارية الدولة السعودية وقوة قيادتها، وقدرتها على الصمود أمام التحديات الداخلية والخارجية عبر القرون.