د. إبراهيم بن جلال فضلون
«يوم بدينا»، «دارنا دار عز ومجد»، «سعوديون ونفخر». ليست هذه عبارات احتفالية عابرة، بل مفاتيح سردية وقلوب مؤسسين تختصر ثلاثة قرون من البناء السياسي والاجتماعي بدأت في 22 فبراير 1727، حين أسس الإمام محمد بن سعود الدولة السعودية الأولى في الدرعية. فلم يعد يوم التأسيس مجرد استدعاء رمزي للماضي، بل أصبح نقطة مرجعية لقياس التحول الاقتصادي والاجتماعي والثقافي في المملكة. منذ صدور الأمر الملكي في يناير 2022 باعتماد يوم التأسيس مناسبة وطنية رسمية، تحوّل هذا التاريخ من ذاكرة تاريخية إلى منصة قياس تنموي.
ففي استطلاع وطني أجرته جهات بحثية محلية عام 2025، أشار أكثر من 90 % من المشاركين إلى أن يوم التأسيس عزز فهمهم لجذور الدولة السعودية الأولى (1727م)، بينما شهدت الفعاليات الثقافية المرتبطة بالمناسبة حضوراً تجاوز 5 ملايين زائر في مختلف مناطق المملكة خلال ثلاثة أعوام فقط. هنا لا يعود التاريخ رواية محفوظة، بل يصبح وعياً مجتمعياً مدعوماً بالأرقام.
أولاً: الجذور التاريخية:
أرست قواعد الاستقرار السياسي في قلب الجزيرة العربية، منذ يوم التأسيس عام 1727م، حين تولى الإمام محمد بن سعود حكم الدرعية، مؤسساً الدولة السعودية الأولى، لتكون لحظة تاريخية، لم تكن فقط مجرد تحوّل محلي، بل بداية تشكّل كيان سياسي استمر عبر ثلاث مراحل حتى إعلان المملكة العربية السعودية عام 1932، ومنذ اعتماد يوم التأسيس رسمياً في 2022، ارتفعت نسبة المشاركة المجتمعية في الفعاليات الوطنية بنسبة تقارب 35 % سنوياً، بحسب تقارير وزارة الثقافة، كما تم تسجيل أكثر من 15 ألف فعالية وطنية وثقافية في مختلف المناطق بين 2022 و2026 والتي تجاوز فيها الحضور التراكمي للفعاليات 7 ملايين زائر، وبلوغ نسبة التفاعل الرقمي مع وسم #يوم_التأسيس أكثر من 1.2 مليار ظهور عبر المنصات الاجتماعية خلال أربع دورات احتفالية.. وهي أرقام تعكس تحوّل المناسبة إلى ركيزة في تعزيز الهوية الوطنية، وتحويل الذاكرة إلى مشروع وطني متجدد.
ثانياً: الأرقام تتحدث
إذا كان يوم التأسيس يستحضر البداية، فإن الأرقام حتى 2026 تؤكد مسار التحول الهيكلي، التي بلغ الناتج المحلي الإجمالي عام 2025 نحو 1.12 تريليون دولار، مقارنة بالعام السابق له نحو 1.09 تريليون دولار، وفي 2023 نحو 1.07 تريليون دولار. بينما كانت التقديرات حتى الربع الأول 2026 تشير إلى استمرار الاستقرار فوق 1.1 تريليون دولار.
مع نمو غير نفطي تجاوز 5 % في عدة قطاعات أي % 52 عام 2025، بينما كان في العام السابق له 51 %، بفارق عن عام 2016 الذي كان 45 %، ليصل حتى فبراير 2026 مستقراً فوق 52 % مع نمو غير نفطي يتجاوز 4 % سنوياً.
الاستثمارات وصندوق الاستثمارات العامة التي كانت أصولها العامة 2016: أقل من 200 مليار دولار. وصلت في 2024 نحو 700 مليار دولار، مقترباً في فبراير 2026 من 760 مليار دولار وفق التقديرات المعلنة.. حيث يكون الهدف المعلن لعام 2030 تجاوز تريليون دولار.
الطاقة المتجددة تستهدف المملكة في 2030: 50 % من الطاقة من مصادر متجددة.. إذ رفعت مشاريع قيد التشغيل حتى أوائل 2026 النسبة تدريجياً نحو 20 % من مزيج الطاقة المخطط.
البطالة ومشاركة المرأة في الذاكرة، حيثُ بلغت البطالة بين السعوديين عام 2017: 12 %، وصلت في عام 2024 نسبة 7.7 %، لتقل في 2025 ومستقرة حتى أول 2026 إلى 7 %، بينما كانت مشاركة المرأة في سوق العمل تعكس تحوّلاً هيكلياً في سوق العمل ضمن رؤية 2030، منذ أن وصلت 2016 % 19، و2024: % 35، ليكون عام 2025 حتى بدايات 2026 قد تجاور 36 %.
السياحة والبنية التحتية
استمر النمو في ارتفاع حتى فبراير 2026 بدعم مشاريع نيوم والبحر الأحمر والعلا، والتي تجاوزت في 2025 إلى 110 ملايين زائر، محققاً في 2023 تجاوز 100 مليون زائر (تحقيق مستهدف 2030 مبكراً)، والتي بدأت بعدد السائحين في 2016 بأقل من 20 مليوناً.
الثقافة
من الشعر إلى المؤشرات، تترد الكلمات التي لا توفي حق ذلك اليوم كبيت أمير الشعراء أحمد شوقي:
وطني لو شُغلتُ بالخلد عنه
نازعتني إليه في الخلد نفسي
هذا البيت الذي يتردد في الاحتفالات الوطنية يعكس البعد العاطفي للهوية، لكن الثقافة اليوم تقاس أيضاً بالأرقام عبر أكثر من 11 موقعاً سعودياً مسجلاً في قائمة التراث العالمي لليونسكو.. وزيادة عدد دور السينما من صفر قبل 2018 إلى أكثر من 60 دار عرض، مع نمو قطاع الترفيه بنسبة تتجاوز 20 % سنوياً منذ 2019، فتضاعف عدد المهرجانات الثقافية والتراثية بنسبة تزيد على 60 % منذ 2019. بل وسجلت هيئة الأدب والنشر زيادة في عدد الكتب المنشورة بنسبة 40 % خلال خمس سنوات، كما أن إدراج مواقع سعودية جديدة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو عزز الحضور الثقافي الدولي للمملكة.. لتكون الثقافة هنا لم تعد خطاباً، بل صناعة تسهم في الناتج المحلي.
ثالثاً: المكانة الدولية
حفرت المملكة وجودها الفاعل بكلمة الحق والعدل والإنسانية، فهي عضو في مجموعة العشرين G20 احتلت موقعاً متقدماً فيها، مع توسع العلاقات الاقتصادية مع آسيا وأفريقيا وأوروبا.. بموقع جيوسياسي بين ثلاث قارات عزز دورها كمركز لوجستي عالمي ضمن مبادرات الربط الإقليمي؛ مما جعل لها التأثير المباشر في القرارات الدولية إذ قادت جهوداً دبلوماسية في ملفات إقليمية حساسة، وأسهمت في وساطات دولية بارزة. ولاسيما الأحداث العضال كسوريا ورفعها من العقوبات الدولية، والقضايا العربية الأخرى كفلسطين والسودان وغيرهما، بل وكان لها الدور البارز دولياً في الحرب الأوكرانية - الروسية، كل ذلك فكان لها تصنيف ائتماني مستقر عند درجات استثمارية قوية.
رابعاً: التوقعات المستقبلية... أفق 2030 وما بعده
تشير إلى اقتصاد يتجاوز 1.3 - 1.4 تريليون دولار وصندوق سيادي يتجاوز حتى 2030 تريليون دولار. مع استمرار نمو الاقتصاد السعودي بمعدل يتراوح بين 3 – 4 % سنوياً حتى 2028، مع نمو أعلى في القطاعات غير النفطية.. أما في مجال الابتكار، فتسعى المملكة إلى رفع الإنفاق على البحث والتطوير إلى 2.5 % من الناتج المحلي بحلول 2040، مقارنة بأقل من 1 % قبل عقد من الزمن. كما تعمل على أن تصبح مركزاً إقليمياً للتقنية والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة.
أما جيوسياسياً، فتعزز المملكة موقعها كلاعب محوري بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، مستفيدة من موقعها الجغرافي ومكانتها الاقتصادية والدينية. هذه ليست طموحات نظرية، بل مؤشرات مبنية على مسار سبع سنوات من التحول.
وقفة:
يوم التأسيس.. جعلنا نحوله من ذكرى إلى استراتيجية، أي أنه لم يعد مجرد احتفاء بالماضي، بل أصبح إطاراً سردياً يربط بين الجذور والتحول. إنه يوم يختصر ثلاثة قرون من البناء، ويؤكد أن الاستقرار السياسي هو الأساس لأي نهضة اقتصادية أو اجتماعية. ولعل الأرقام حتى فبراير 2026 تثبت أن المملكة لم تكتفِ باستدعاء التاريخ، بل حولته إلى منصة انطلاق لمشروع تنموي واسع، يقوده جيل شاب ورؤية طموحة.
ختاماً:
حين تعود الكلمات محمّلة بالأرقام تكون عباراتنا..
«يوم بدينا...» ليست مجرد شعار، بل تاريخ يمتد من 1727 إلى 2026.
«دارنا دار عز ومجد» لم تعد عبارة وجدانية، بل اقتصاد يتجاوز تريليون دولار.
«سعوديون ونفخر» ليست شعاراً عابراً، بل واقع تثبته نسب النمو، وتمكين المرأة، والمشاريع العملاقة، والمكانة الدولية المتصاعدة.
إن كاشفي الحقائق لم يدركوا كل تاريخنا، ولم ولن يستطيعوا التنبؤ بما ستأتي به الأيام، فقد تعلمنا الصبر والصمود وكيف نُحارب الكثير من الأفكار الهدامة والمتطرفة داخلياً وخارجياً، وهكذا يصبح يوم التأسيس أكثر من مناسبة وطنية؛ إنه معادلة تجمع بين التاريخ والرقم، بين الهوية والتنمية، بين الماضي والمستقبل. وفي ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ورؤية الأمير محمد بن سلمان، تبدو المملكة وكأنها تكتب فصلاً جديداً في سرديتها الوطنية.. فصلاً يبدأ من الجذور، ويمتد نحو آفاق 2030 وما بعدها.
«يوم بدينا... وسنستمر».