أ. د.عبد العزيز بن محمد الفيصل
لم تثبت قواعد التأسيس من فراغ، بل كان لها تمهيد من إمارة الأسرة المريدية، فاستقرار مانع بن ربيعة المريدي في الدرعية بداية لحكم هذه الأسرة، ومانع جد آل سعود من حنيفة من بكر بن وائل، وكان استقراره في المليبيد وغصيبه، ومن المعروف أن وادي حنيفة منذ القديم لبكر بن وائل.
ثبت مانع المريدي ملكه، فكثر الوافدون عليه من طالبي العمل ومن الموالفة من البادية الذين يألفون زعماء القرى فيقطنون بجوارهم في شهور الصيف ليجدوا الماء والأعلاف لإبلهم وأغنامهم وخيلهم. وصداقات المريدي مع زعماء البادية أكسبته الشهرة فعرف بالكرم والجود وحسن المعاملة. ويتوفى المريدي الذي أسس إمارة وأقام ملكاً لأبنائه فيخلفه ابنه ربيعة الذي اشتهر بالكرم فكثر جيرانه من الموالفة الذين استعان بهم في محاربة خصومه، والحرب بين الجيران أمر متوقع.
فالمصالح تدفع هؤلاء وهؤلاء للدفاع عن مصالحهم، والدفاع عن المصالح يكون بالكلام أولاً ثم يتطور إلى أن يصل إلى حد القتال، فليس مستغرباً أن تفرض الإمارة الناشئة مصالحها على الآخرين إما باللين أو بالحرب، والحروب بين القرى المتجاورة أمر قائم.
وحرب الجيران قد يكون أمراً لا مفر منه، كما فعل موسى بن ربيعة عندما رأى حرب خصومه مع معارضة والده الأمير مما اضطر والده إلى مغادرة الدرعية، وقد نفذ موسى خطته في حرب المناوئين وانتصر في حروبه فاستقامت الأمور في الدرعية، فحاكم الدرعية أخاف من حوله فلم يجرؤ أحد على استباحة الدرعية أو النيل من أميرها القوي موسى، وبعد وفاة الحاكم المهاب آل الحكم إلى ابنه إبراهيم بن موسى بن ربيعة بن مانع المريدي، ولم يكن إبراهيم في صرامة أبيه وقوته، ولكن والده قد وطد له الأمور، فأملاكه في الدرعية أتاحت له الوجاهة وكرمه كسر حدة زعماء البادية عن مهاجمته أو نهب الأموال من الدرعية وضواحيها، فاستقامت الأمور لإبراهيم، وبعد وفاة إبراهيم اضطربت الأمور في الدرعية وحصل الخلاف على الإمارة من قبل الأسرة المريدية ومن غير الأسرة المريدية، فتولى الإمارة في هذه الفترة مرخان بن إبراهيم بن موسى بن ربيعة بن مانع المريدي، وإدريس بن وطبان المريدي، ثم تولى الإمارة سلطان بن حمد القبس وتولى الإمارة بعده عبدالله بن حمد القِبس الذي شملت إمارته آخر القرن الحادي عشر الهجري وأول القرن الثاني عشر الهجري.
وقد اتسمت الدرعية بالهدوء والسلم في إمارته فكثر العلماء في الدرعية وما جاورها، وأذكر من العلماء الذين لهم تأثير في المجتمع: عبدالله بن ذهلان قاضي الرياض ومحمد بن ربيعة العوسجي قاضي ثادق وعبدالوهاب بن سليمان بن مشرف قاضي العيينة وأحمد بن بن محمد المنقور قاضي حوطة سدير وسليمان بن علي بن مشرف قاضي العيينة وإبراهيم بن محمد بن إسماعيل قاضي أشيقر ثم القرائن.
ومما يدل على تبحر هؤلاء في العلم أن بعض القضايا بسط القول فيها في عشرين صفحة مما يدل على سعة أفق القاضي، واستحضار الأدلة من القرآن والحديث وما اتفق عليه العلماء السابقون قبل عصر القاضي. وبعد هذا الهدوء والسلم في الدرعية وفي وادي حنيفة عامة عاد اضطراب الحكم في الدرعية، ذلك أن أسرة المريدي كثر عددها، والكل من أبنائها يتطلع إلى حكم الدرعية.
والأسرتان الأوفر حظاً في الحكم أسرة آل مقرن وأسرة آل وطبان، وقد حكم الدرعية في هذه الفترة سعود بن محمد بن مقرن الذي يحمل اسم آل سعود الذين ينتهي نسبهم إلى سعود بن محمد، وابنه محمد هو الذي أسس الدولة السعودية التي تحمل اسم والده سعود، وقد عرف الملك سلمان أحقية محمد بن سعود بالإشادة والتمجيد فأمر بإشهار يوم التأسيس، وأن يذكر هذا اليوم في وسائل الإعلام في كل عام. وقد اشتهر محمد بن سعود بالشجاعة والصبر.
أما الصبر فيبرز في معالجة الخروج من المأزق الذي أو قعه فيه ابن معمر، ذلك أن وفداً من الدرعية فيه زيد بن مران بن وطبان بن ربيعة بن إبراهيم بن موسى المريدي أمير الدرعية آنذاك ومحمد بن سعود، وقد قتل زيد ورفاقه ونجا محمد بن سعود عن طريق صبره وجلده، وأسس دولة قوية سيطرت على معظم نجد في حياته، والأقاليم التي تتكون منها دولة محمد بن سعود في حياته هي: الوشم وسدير والعارض ما عدا الرياض وعرض شمام والحريق والخرج والأفلاج ووادي الدواسر، ولم يبق خارجاً عن إمارة الإمام محمد بن سعود في حياته إلا الرياض وفيها دهام بن دواس والقصيم.
وسيرة محمد بن سعود الحسنة هي التي هيأت له فتح البلدان، فلم يكثر القتل بدليل صبره على جاره دهام بن دواس في الرياض، وهيبته أتاحت له انضواء الأقاليم تحت لوائه في يسر وليس عن طريق سفك الدماء، فمحمد بن سعود هو المؤسس لدولة دامت ثلاثة قرون وستبقى عزيزة ما دام الملك سلمان -حفظه الله- وولي عهده صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان يحوطانها بالصيانة والحفظ.
حفظ الله بلادنا المملكة العربية السعودية وأبقاها عزيزة مهابة، فهي مهابة في زمن الإمام محمد بن سعود ومهابة في زمن الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود، ومن هيبة الإمام عبدالعزيز أنه يفتح البلدان بهيبته، فهيبته هي التي فتحت له الرياض بدون حرب، فقد هرب دهام بن دواس في جنح الظلام وترك الرياض مفتوحة للإمام عبدالعزيز بعد حرب مع الدرعية دامت خمساً وعشرين سنة، وهي مهابة في زمن الإمام سعود بن عبدالعزيز بن محمد الذي أصبحت دولته في اتساعها وثباتها تنافس الدولة العثمانية، فقد ضمت الجزيرة العربية بكاملها وجنوب الشام وغرب العراق، وقد خافت الدولة العثمانية من الدولة السعودية التي تلتهم الأقاليم في أيام معدودة فسحبت جيوشها من أوروبا وأسندت بها واليها على مصر محمد علي وابنه إبراهيم باشا وأمدته بالعتاد والمال، فجدَّ محمد علي وابنه إبراهيم باشا في محاربة الدولة السعودية براً وبحراً حتى إن ميناء ينبع كان مزدحماً بالسفن الراسية والقادمة والمغادرة، وكانت الحرب قاسية، وهكذا الحروب لا ترحم، وأطلال الدرعية اليوم تحكي لنا قصة الحرب.
وهي مهابة في زمن الإمام تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود المؤسس الثاني الذي بعث الحرب على الدولة العثمانية وأنصارها، فجمع ما تفرق ونقل عاصمة الدولة السعودية من الدرعية إلى الرياض، وأشعر الناس بالاطمئنان، فنشطت التجارة بين البلدان، فزال الخوف وردع الظلم ونزعت الحقوق ممن اغتصبها، فعادت الدولة السعودية عزيزة كما كانت.
والدولة السعودية مهابة في زمن المؤسس الثالث الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل بن تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود، فقد بنى دولة من الشتات على أكتاف أبنائها مع شح المال وندرة السلاح لأن القلوب معه، فالتآلف قائم والتعاون ملموس، فجمع أقاليم الجزيرة العربية بجهد المقل وعزم الشجاع وصبر المجالد، فردع الظالم ونصر المظلوم وأمن البلاد.
والدولة السعودية مهابة في يومنا هذا في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل بن تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود، وهيبتها اليوم يحس بها المواطن والمقيم والجار وصاحب العلاقة معها من قريب ومن بعيد، أدام الله عزها وهيبتها في ظل ملك البلاد سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده محمد بن سلمان بن عبدالعزيز.