باسم سلامة القليطي
في يوم التأسيس، لا نعود إلى التاريخ لنستذكره فحسب، بل لنحياه من جديد. نغمس أرواحنا في نهر الزمن، ونُصغي لخُطى الأجداد وهي تمشي في ليل الصحراء بحثا عن فجرٍ يليق بالأمة. هنا، حيث تلاقى الإيمان والعزم، وتشابكت الدعوة والسيف، وتكوّن من ذلك كله وطنٌ يشبه المعجزة في ثباته وامتداده. يوم التأسيس هو ارتعاش القلب حين يعي حجم النعمة، وخشوع الروح حين تدرك أن هذا الكيان العظيم لم يكن وليد المصادفة، بل ثمرة صدقٍ طويل، وصبرٍ جسور، وتضحيةٍ كُتبت بالدم والدمع والدعاء.
وحين نعود إلى تلك البدايات، تنقشع الغشاوة عن الأبصار، وتصفو الرؤية، وتنكشف المعاني في صورتها الأصدق؛ فنرى كيف قامت هذه البلاد على أصلٍ راسخ من التوحيد، وكيف استوت على جادة الحق، وكيف مشت بخطى واثقة في درب البناء، رغم وعورة الطريق وكثرة التحديات. رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فوهبوا أعمارهم ليغرسوا في الأرض أمنا، وفي النفوس طمأنينة، وفي الأفق رجاءً لا ينقطع. فكان التاريخ شاهدا، وكانت الأيام راوية، وكانت الأجيال وارثة لهذا المجد المتدفق.
ومن رحِم تلك التضحيات، نهضت المملكة العربية السعودية، لتكون مفزعا للعرب، وواجهةً مشرّفة للعالم الإسلامي، وركيزةً أساسية في صناعة التوازن الإقليمي والدولي. لم تبلغ هذه المكانة الرفيعة عبثا، بل بفضل الله أولا وآخرا، ثم بحفاظها العميق على أصالة هويتها، وتمسكها بثوابتها، وحكمتها في قراراتها، وتلاحم قيادتها مع شعبها. دولة جعلت من نصرة المظلوم منهجا، ومن إغاثة الملهوف رسالة، ومن مدّ يد العون خُلُقا أصيلا، فكانت سندا للمحتاج، وملاذا للمكسور، وظهيرا للضعيف، حتى استقر حبها في قلوب الملايين شرقا وغربا.
ومع هذا السجلّ المشرف، لم تسلم المملكة من سِهام الحقد، ولا من كيد الكائدين، ولا من افتراءات المرجفين. فثمة من آثر أن يعمي بصره عن الحقائق الناصعة، ويتجاهل المواقف المعلنة، ليصطنع الأكاذيب، ويروّج الشائعات، ويبث الفرقة، ويشوّه الصورة، خدمةً لأهوائه، واستجابةً لنزعاته المريضة. غير أن التاريخ أثبت أن الباطل مهما علا صوته، فإنه يظل أجوف، وأن القوافل العظيمة لا يوقفها نباح العابرين. فالمملكة تمضي بثبات، واثقة بخطاها، مطمئنة بعدالة قضيتها، ماضية في دربها التنموي والحضاري، غير عابئة بضجيج التشويه ولا بزيف الادعاء.
إن قراءة تاريخ هذا الوطن من منابعه النقيّة، تمنحنا وعيا مختلفا، وتبني فينا صورة ذهنية صادقة، ندرك بها سرّ هذا الامتداد المبارك. ثلاثة قرون والدولة تمضي على النهج ذاته: توحيدٌ يُصان، ودينٌ يُخدم، وحرمان يُرعيان، ووحدة تُحفظ، وأمن يُبنى، وتنمية تتسع لكل حلم. لم تنقطع السلسلة، ولم تخبُ الشعلة، بل انتقلت من جيل إلى جيل، حتى غدت السعودية اليوم نموذجا لدولة تعرف كيف تحافظ على هويتها، وهي تشق طريقها بثقة نحو المستقبل.
وفي يوم التأسيس، لا نحتفل بالماضي لأنه مضى، بل لأنه حيّ فينا، يسكن تفاصيلنا، ويصوغ وعينا، ويهدي خطواتنا. هو يوم تتصافح فيه الذاكرة والطموح، ويجتمع فيه الوفاء والعزم، فنجدّد العهد بأن نبقى أوفياء لهذه الأرض الكريمة، عاملين على رفعتها، حارسين لمكتسباتها، ساعين لأن يكون كل واحد منا لبنة صادقة في بنيانها الشامخ. فالسعودية ليست حدودًا على خريطة، بل روح تسري في العروق، ورسالة تتجدد في الضمائر، وقصة مجد لا تزال فصولها تُكتب.