صبحي شبانة
في تاريخ الأمم أيام خالدة تظل محفورة في ذاكرة الزمن، يستلهم معناها ويلتقط وحيها فقط قليل نادر من الزعماء الذين يمتلكون بصيرة عابرة، وحدهم لديهم القدرة على صياغة المستقبل وصناعة التاريخ، واستلهام تلك الأيام المضيئة، لتدشين حقبة تاريخية جديدة ممتدة ترتكز على قوى وثابة، تبثها روح شابة تدرك إيحاءات التاريخ الذي صنعه الأجداد والآباء، وتدرك أهمية الجغرافيا التي تضخ كوامنها في شرايين شعب، برع في سبر أغوار الماضي، ويجيد بناء المستقبل، ويتوق إلى إعادة تأسيس المجد لأمة بكاملها انطلاقاً من فكر جديد، ووعي لا يتجاهل موروثات الماضي، هنا على أرض المملكة قائد ملهم يتجاوز بفكره حدود الزمان والمكان، وشعب يعيد باقتدار صياغة وصناعة التاريخ مجدداً.
إن الاحتفال بيوم التأسيس ليس استدعاءً للماضي فقط، بل تذكير بأن الدولة السعودية بُنيت بعلاقة قوية ممتدة بين القيادة والمجتمع، علاقة حدت بالمواطن ان يرى في استقرار دولته امتداداً لاستقراره، وترى الدولة في مواطنيها رأسمالها الأهم، شركاء في صناعته، حافظين لاستقرارها عبر التحولات الكبرى، لذا ترسخ في الوعي الجمعي للشعب السعودي أن الدولة ليست كياناً فوق المجتمع، بل تعبير عنه وضامن لمستقبله.
إن يوم التأسيس، ليس مجرد ذكرى، إنه وعي متجدد بأن الأمة السعودية لم تتشكل صدفة، بل عبر لحمة فريدة في نوعها بين القيادة والمجتمع، تلك اللحمة لا تزال اليوم تصوغ طموح المستقبل في عالم اليوم الذي هو في امس الحاجة إلى فكر ملهم ينطلق من هذه الأرض الخلاقة التي يحمل أهلها الخير للجميع، ويبشر قادتها بالسلام والرخاء الذي يعم الجميع، فلا فرق لديهم بين جنس وآخر، فهم يؤمنون بأن أنسنة المستقبل يجب أن تكون لها الأولوية القصوى والملحة التي تسبق كل أولوية، لأن عالم اليوم الشغوف بالذكاء الاصطناعي، والروبوتات المستحدثة والتقنيات المتسارعة يعيش الجمود والجحود الذي سوف يتصادم يوماً ما مع الطبيعة البشرية التي جبل عليها الجنس البشري وهو ما سوف يؤدي حتماً إلى مآلات سوف تهدِّد حتما مصير الإنسانية.
تقاس مكانة الدول في العصر الحديث بارتفاع معدلات التنمية، وبتقدمها في مختلف المجالات، ويظل العنصر البشري هو المعيار الحقيقي للتقدم، وبرغم ما شهدته المملكة من ارتفاع في معدلات التنمية فاق كافة المعدلات العالمية، الشواهد لا تحتاج إلى أدلة أو براهين، فأي قرية نائية في المملكة لا تقل في خدماتها، وبنيتها التحتية، وجودة الحياة فيها عن أرقى أحياء لندن أو باريس، كل هذا بفضل الاستثمار في الإنسان السعودي، الذي استطاع أن يصنع المعجزات، إن يحول الصحراء إلى مدن لا تضاهيها مدن العالم في تطورها، وفي ذكائها، مدن تم تحديثها وتصميمها للقرن الثاني والعشرين، قدرات العنصر البشري في المملكة تفوق الخيال والتصور، روح شابة تسري في أوصال المملكة بفضل الأمير الشاب صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء الذي استنهض طاقات شعبه، واستلهم وحي مجد تليد مضى عليه ثلاثة قرون، حينما أسس الإمام محمد بن سعود- رحمه الله- الدولة السعودية الأولى وسط عالم متشرذم، وقبلية بغيضة مسيطرة، ربما كان منسيا لدى الكثيرين، لكنه بالتأكيد ظل حاضراً في عقل أمير العرب وقائدها لعقود طويلة قادمة.
واليوم تتجلَّى هذه الشراكة بصورة عضوية في رؤية المملكة 2030 التي لم تنطلق بوصفها خطة اقتصادية فحسب، بل تُعدّ تعبيراً حديثاً عن العقد الاجتماعي السعودي، فهي تستثمر في الإنسان السعودي، وتعزز الهوية الوطنية، وتؤكد أن قوة الدولة تبدأ من قوة مجتمعها وثقته بنفسه.
وفي محيط إقليمي لا تزال تعصف به الأزمات، أثبت السعوديون أنهم في مقدمة الركب للدفاع عن فضيلة الاستقرار التي صاغت تاريخهم. لم يكن ذلك دفاعاً عن وضع قائم، بل عن تجربة ممتدة ثلاثة قرون دفعت أثمانها في محطات عديدة، ورسخت قناعة بأن الاستقرار ليس ترفاً سياسياً، بل شرط الازدهار والنماء.
كل هذا الزخم الذي تعيشه المملكة في كافة أرجائها، وهذه الروح الوثابة التي تنطلق بالشعب العربي السعودي نحو المستقبل، وكل هذا الحراك المجتمعي الذي طال كل المجالات يعود الفضل فيه إلى حكمة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وحيوية رؤية المملكة 2030 التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الذي يمتلك فكراً ثاقباً وإرادة فولاذية، فقد آمن منذ الصغر أن المواقف الكبرى لا يتصدى لها إلا الكبار، وأن المستقبل لا يصنعه إلا الأفذاذ، وأن التحولات الكبرى لا يقودها إلا العظماء، المملكة تعيش أزهى عصورها في ظل قيادة جامعة للحكمة والرؤية؛ لذا استحقت بجدارة أن تقود عالم اليوم وأن يكون يوم التأسيس هو بداية تاريخ جديد للإنسانية يرسم لها خارطة طريق، ويعيد إليها فطرتها وانسانيتها.