أ.د.محمد بن حسن الزير
لقد شاء الله العلي القدير {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} (الإنسان 30)؛ فهو صاحب الأمر والتدبير، ومالك ما في السموات والأرض وما بينهما، وهو العليم بأحوال عباده الحكيم في تدبير شؤونهم، شاء أن يُقَيّضَ للأمير (الإمام محمد بن سعود) -رحمه الله- الأسبابَ لأن ينهض للقيام في شأن توحيد شطري (الدرعية) وأن يجمع كلمتها ويوحد قيادتها، تحتَ إمرته عام 1139 الموافق يوم الثاني والعشرين من شهر فبراير 1727م، وكانت خطوة موفقة للقضاء على عامل خطير من عوامل الفرقة والنزاع، وهو عدم وجود قيادة واحدة تقوم على شأن البلد وتتجه به نحو الأمن والاستقرار، وجمع الشمل والبعد عن تعدد الأهواء واختلاف الاتجاهات، وتنازع الرغبات والمقاصد، في تدبير شؤونها وتصريف أحوالها، وقد هيأ الله له تحقيق النجاح في ذلك المسعى النبيل الموفق، الذي كان يوما تاريخيا تأسيسيا للدولة السعودية العتيدة، بحمد الله، صاحب الفضل والمنة.
وقد تمكن هذا المؤسس القائد الموحد جامع الكلمة أن يمضي بعزيمة ويقين، ونحسب أنه، والله حسيبنا جميعا، أنه كان ينطوي على نية صالحة؛ فقد مكَّنه اللهُ في سلطانه، فسارت أموره، في حكمه وولايته، في صلاح وتوفيق وسداد وإصلاح؛ والله، عز وجل، يقول في كتابه الكريم الحميد:».. {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} (الحج 40-41). ويقول عزَّ من قائل: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (النور: 55).
وما هي إلا سنوات من بعد هذا الاستقرار والهدوء والأمن والتمكين والتوحد في القيادة والاتجاه، حتى ظهرت آثار رحمة الله لهذا الإمام: (الإمام محمد بن سعود) وتوفيقه له، وتسديده لخطاه: وذلك حين أكرمه الله ؛ بأن مكَّنه من ترسيخ تأسيس دولته؛ (الدولة السعودية) على أساس مكين ومنهجية مؤسسية عميقة على هدي من القرآن الكريم والسنة الشريفة المطهرة، بعيدا عن البدع والخرافات والأباطيل، فهيأ الله له أن يقيم نهضة دولته على أسس إسلامية واضحة أصيلة، وعلى مبادئ منهجية تعتمد على قواعد الشريعة السمحة، وأحكامها وعلومها الصحيحة القائمة على البرهان والدليل؛ وذلك حين أرشده الله إلى خطوة عظيمة في سيرته ومسيرته ومسيرة دولته ورعيته.
وقد أثمر هذا الانتصار لدين الله وعقيدة التوحيد نصرا مؤزرا للدولة السعودية وأئمتها الأماجد؛ لما بذلوه لدين الله، ولما انتهجوه من سبيل صالح، وسلوك مستقيم على دين الله وهداه؛ وقد قال الله عن أهل اليقين والاتباع في محكم التنزيل: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} (السجدة 24). وقد نفع الله بهذه الدولة الإسلامية نفعا عظيما، وتجاوز هذا النفع، في آثاره محيطها القريب، إلى رحاب أكبر، وآفاق أوسع؛ في المعنى والمبنى، تعدى الجزيرة العربية والعالم العربي والإسلامي، في الزمان والمكان والأثر إلى العالم بأسره.
وقد كان فضل الله على هذا الإمام الصالح ودولته المسددة ورعيته المُتَّبِعَة، على طريق الحق والخير واليقين، أن مكَّنَ لهم في الأرض، وهيأ لهم أسباب النصر، ورزقهم من الطيبات، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، وحفظهم من كل سوء ومكره؛ إنه خير حافظ وهو أرحم الراحمين، وظلت هذه الدولة، ببركة منهجها الإسلامي المستقيم، على بلاغ الله وبيان رسوله الأمين، صلى الله عليه وسلم، أمينة مؤمنة، وقد بينت الأيام في حياة هذه الدولة العظيمة، وفي المراحل اللاحقة لها ولأئمتها، سلامة مقاصدها وسداد منهجها ونصاعته ووضوحه ومصداقيته، وقد أظهرت المواجهات والتحديات العارضة، التي صادفتها (الدولة السعودية) عبر الزمن؛ أنها لم تستطع أن تنال منها شيئا؛ على الرغم من قعقعتها الصاخبة ولجلجتها الواهية؛ فما هي إلا لجلجة باطل أوهى من بيت العنكبوت، قذف الله عليه الحق فإذا هو زاهق! يقول الله الحق المبين: {...فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ} (الرعد 17). ويقول تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ...} (الأنبياء 18).
ووجدنا الأئمة اللاحقين يمضون في مسيرتهم من نصر إلى نصر ومن تمكين إلى تمكين، بفضل الله وتوفيقه، وأن الله قد مكَّنَ لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وأن الله قد أصلح عملهم؛ فحين واجهت الدولة السعودية الأولى بلاء عام 1233هـ، ما لبثت أن عادت سيرتها الأولى على يد الإمام (تركي بن عبد الله بن محمد ابن سعود) ومن بعده ابنه؛ الإمام (فيصل بن تركي) رحمهم الله، ثم انبرى صقر الجزيرة الإمام الملك (عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل) طيب الله ثراه، عام 1319هـ ليعيد تجديد الدولة، ويؤسس كيانها الحديث الناهض نهضة شامة في جميع المجالات والميادين، ويوحد أطرافها ويلم شعثها، بجهد عظيم وجهاد متواصل، تحت اسم (المملكة العربية السعودية) عام 1351هـ، الموافق 1932م، وليصنع دولة راسخة قوية متماسكة في وحدة صارت مضرب المثل في عمقها ومتانتها، وشمول خيرها القاصي والداني، وتاجها راية لا إله إلا الله محمد رسول لله، ودستورها كتاب الله – جلَّ جلاله- وسنة نبيه، صلى الله عليه وسلم، ومنهجها الاعتماد على ركائز الإسلام الجوهرية، وجندها شعب مخلص عظيم.
ثم واصل، من بعد المؤسس البطل الفذ، أبناؤه وأحفاده البررة؛ حمل الرسالة وأداء الأمانة، وبذل الجهد في الحفاظ على ذلك؛ من الملوك والأمراء: الملك سعود والملك فيصل والملك خالد والملك فهد والملك عبد الله – رحمهم لله – ثم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، يحفظهم الله تعالى، الذين لا يألون جهدا في التفاني وبذل الغالي والنفيس لتظل المملكة العربية السعودية، مرفوعة الراية، عزيزة الجانب، مصونة الحدود، محفوظة الكيان، تواصل التقدم والازدهار، في ظل أمن وارف، واستقرار مكين.