د. سيف محمد الرشيدي
يوم التأسيس ليس مجرد تاريخ نحتفي به، بل هو معادلة وطنية متكاملة، طرفها الأول الجذور العميقة، وطرفها الثاني الامتداد الحضاري الذي نعيشه اليوم. ففي الثاني والعشرين من فبراير، نستحضر لحظة التأسيس الأولى للدولة السعودية، ونقرأ التاريخ لا بوصفه سردًا للأحداث فحسب، بل كنظام متناسق تحكمه سنن وقوانين، تمامًا كما تحكم الرياضيات الكون من حولنا.
الرياضيات لغة كونية، تقوم على الدقة والاتزان، وهي ذات القيم التي قامت عليها الدولة منذ تأسيسها: العدل، الاستقرار، والتنظيم. فكما لا تستقيم معادلة دون توازن بين طرفيها، لا يستقيم وطن دون توازن بين ماضيه وحاضره، وبين ثوابته وتطوره.
عند تأمل مسيرة الدولة عبر القرون، نجد أن الزمن نفسه يمكن قراءته قراءة رياضية؛ فالتاريخ خط متصل، ونقطة التأسيس تمثل نقطة الأصل التي انطلقت منها المتغيرات، وتفرعت منها المسارات، حتى وصلنا إلى ما نراه اليوم من نهضة شاملة في شتى المجالات في المملكة العربية السعودية.
وفي التعليم، تلعب الرياضيات دورًا محوريًا في بناء العقل الوطني القادر على التخطيط والاستشراف. فهي تعلم الطالب أن لكل مسألة معطيات، ولكل مشكلة حلًّا، وأن الطريق إلى النتيجة الصحيحة يمر بالفهم والتحليل والصبر. وهي القيم ذاتها التي جسدها القادة الأوائل في إدارة الدولة وبنائها، حيث لم تكن القرارات ارتجالية، بل قائمة على قراءة الواقع، وتقدير الإمكانات، وحساب النتائج.
حتى العمارة القديمة، والقلاع، والحواضر التاريخية التي نشأت مع التأسيس، تعكس حضور الرياضيات بوضوح؛ في التماثل، والنِّسب، والمساحات، والزوايا، وكأن التاريخ كان يُكتب بلغة هندسية صامتة، تحفظ الجمال وتحقق الوظيفة في آنٍ واحد.
إن ربط يوم التأسيس بالرياضيات ليس ترفًا فكريًا، بل تأكيد على أن هذا الوطن قام – ولا يزال – على أسس متينة، يمكن التعبير عنها بالقيم، كما يمكن التعبير عنها بالأرقام. وطن عرف كيف يحسب خطواته، ويوازن بين طموحه وقدراته، فكانت النتيجة دولة راسخة الجذور، متسارعة الإنجاز.
وفي يوم التأسيس، نعلّم أبناءنا أن حب الوطن لا يكون بالاحتفال وحده، بل بفهم قصته، وإتقان أدوات المستقبل، وفي مقدمتها العلم، والرياضيات خاصة، لأنها تصنع العقل القادر على حماية المكتسبات، وبناء معادلات النجاح القادمة.
وكل عام ووطننا ثابت المعادلة.. عظيم النتيجة.