خالد بن حمد المالك
يُحسب لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز قراره التاريخي بجعل يوم 22 فبراير من كل عام يوماً لإحياء ذكرى تأسيس المملكة، وأن يكون يوم إجازة للاحتفال بهذه الذكرى، واستعادة الذكريات، لفترة زمنية تمتد إلى ثلاثة قرون، شهدت الدولة خلالها انتصارات وانكسارات، وإصرار على عدم التسليم بالهزيمة.
* *
بدأ التأسيس (1139 - 1179هـ، 1727 - 1818م) بقيادة الإمام محمد بن سعود، فيما عُرف بالدولة السعودية الأولى، بينما قامت الدولة السعودية الثانية (1240هـ - 1824م) ولمدة 69 عاماً بقيادة الإمام تركي بن عبدالله إثر سقوط الدولة الأولى، وجاء قيام الدولة السعودية الثالثة عام (1902م) بقيادة الملك عبدالعزيز الذي استعاد الحكم، ووحَّد البلاد، باسم المملكة العربية السعودية.
* *
سقوط عاصمة الدولة السعودية الأولى (الدرعية) لا يعني القبول بالهزيمة، ولا يمثِّل ذلك أنه أمر قُضي وقد حُسم، فقد تميَّزت كل مرحلة من مراحل التأسيس الثلاث بالصمود والشجاعة لبلوغ أهدافها، مع ما واجهته من تحديات داخلياً وخارجياً، سياسياً واقتصادياً وأمنياً، وظروف بالغة التعقيد في مواجهة قوى تملك من القدرات العسكرية ما لا تتوفر لأئمة وحكام الدولة السعودية في مراحلها الثلاث.
* *
ومع ذكرى يوم التأسيس نستذكر إلى جانب الإمام محمد بن سعود، أئمة الدولة السعودية الأولى، الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود، والإمام سعود بن عبدالعزيز الملقب بسعود الكبير، والإمام عبدالله بن سعود، وجميعهم حكموا في فترة الدولة السعودية الأولى إلى أن سقطت في عهد الإمام عبدالله بن سعود عام 1818م، وخلال حكم هؤلاء، شهدت الدولة مجموعة من المعارك، والتضحيات، والبطولات، امتداداً لبطولات القائد العظيم مؤسس الدولة الإمام محمد بن سعود.
* *
وجاءت الدولة السعودية الثانية بقيادة الإمام تركي بن عبدالله لتستعيد الحكم من جديد، بعد سقوط الدولة السعودية الأولى، وحق لها أن تقوم بذلك رغم محدودية الإمكانيات، لكنه الإصرار والعزيمة لاسترداد ما أُخذ بالقوة، وإن سقطت هي الأخرى كما كان مصير الدولة السعودية الأولى، غير أن نهاية الدولة السعودية الأولى، ثم الدولة السعودية الثانية، لم ينه الإصرار على جولة جديدة لاسترداد الحكم وبناء الدولة السعودية الثالثة.
* *
وإلى جانب مؤسس الدولة السعودية الثانية الإمام تركي بن عبدالله، وقد امتدت فترتها 69 عاماً، فقد حكمها على التوالي بعد الإمام تركي، فيصل بن تركي (فترتين)، الإمام عبدالله بن فيصل بن تركي (فترتين)، الإمام سعود بن فيصل بن تركي، الإمام عبدالرحمن بن فيصل بن تركي (فترتين)، ومع كل إمام كانت هناك مواقف جسورة، ومعارك ضارية، وتنظيمات لدولة يُخطط لها بأن تكون قادرة على البقاء، رغم التحديات الكبيرة التي واجهها كل من هؤلاء الأئمة.
* *
بعد سقوط (الدرعية)، وانتهاء فترة حكم الدولة السعودية الأولى، فقد اختار الإمام تركي بن عبدالله (الرياض) عاصمة للدولة السعودية الثانية قبل سقوطها، بديلاً للدرعية التي هدمت، وأحرقت مزارعها، ولم تعد صالحة لتكون عاصمة للدولة، وقد أذن سقوط الدولة السعودية الثانية لقيام الدولة السعودية الثالثة بقيادة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن وعاصمتها الرياض.
* *
في الدولة السعودية الثالثة، قاد الملك عبدالعزيز مجموعة من المعارك لاستردادها، مستفيداً من أسباب ودروس الانكسارات التي واجهتها الدولتان الأولى والثانية، ومن عبقريته وشجاعته في حسم معاركه الكثيرة التي واجهها، معتمداً على عناصر محدودة العدد من رجاله لاستعادة الحكم، وفي حكمه تم توحيد أجزاء المملكة في دولة واحدة، وإطلاق اسم المملكة العربية السعودية عليها، وجاء من بعده أبناؤه الملك سعود، وفيصل، وخالد، وفهد، وعبدالله، وسلمان ليكملوا المشوار في تطوير المملكة، وتحديثها، وفق أسس وأنظمة جعلت المملكة الآن في الصفوف الأولى بين الدول أمنياً واقتصادياً وسياسياً.
* *
أجل هذه بلادنا، معارك هُزمت فيها، وانتصارات خلَّدتها وغيَّرت وجه التاريخ في المنطقة، وتطور مذهل في كل مجال وميدان، ولكل الأئمة، ولكل الملوك، ولكل من خدم البلاد، وساهم في رقيها، له في هذه الذكرى تحية الوفاء، والعرفان بالجميل، فالمملكة في كل الدول الثلاث كانت أمانة في أعناق الجميع، وستبقى كذلك إن شاء الله.