د. سطام بن عبدالله آل سعد
في البداية، لا بد من تعريف مفهوم «فقر التحليل»؛ فهو حالة من القصور المنهجي في قراءة الظواهر، تقوم على الانتقائية في عرض البيانات، واقتطاع الأرقام من سياقاتها، وتغليب الانطباع على المنهج، بما يفضي إلى استنتاجات ناقصة أو متحيّزة. وهو لا يكتفي بضعف الفهم، بل يوظّف هذا الضعف لصناعة سردية نقدية تفتقر إلى الشمول والربط السببي؛ فتُختزل القضايا المركّبة في مؤشرات جزئية، وتُستبدل القراءة التحليلية المتكاملة بحكمٍ مسبق يفتقر إلى العمق.
وتتجلى هذه الظاهرة في كل مرة ينجح فيها الهلال في تثبيت اسمه داخل المشهد العالمي؛ إذ يخرج بعض إعلامييّ «الفقر التحليلي» ليعيدوا النقاش إلى خانة الأرقام المنزوعة من سياقها، ويرفعوا مصطلح «الإنفاق السلبي» بوصفه حُكمًا أخلاقيًا نهائيًا لا مؤشرًا ماليًا قابلًا للتفسير؛ ثم يُقدَّم الاستثمار الرياضي كأنه جريمة إذا صدر من الهلال تحديدًا.
الهلال الذي يتحدثون عنه هو ذاته وصيف العالم 2022 في كأس العالم للأندية، وهو ذاته الذي أحرج ريال مدريد بتعادلٍ لافت، ثم مضى أبعد حين تجاوز مانشستر سيتي وتأهل إلى دور الثمانية، ليُسجَّل ضمن سابع أندية العالم في نسخة 2025. هذه ليست نتائج عشوائية؛ إنها انعكاس مشروع يتجاوز حدود المنافسة المحلية إلى صناعة حضور دولي للمشهد السعودي؛ فالفارق بين «الهدر» و»الاستثمار» يُقاس بحجم الأثر لا بحجم الرقم.
أما احتجاجهم بـ731 مليون يورو مقابل 31 مليونًا كإيرادات بيع، فهو قراءة محاسبية تقليدية في صناعة لم تعد تُقاس بفائض الانتقالات وحده. كرة القدم اليوم اقتصادٌ متكامل يتشكل عبر حقوق بث، ورعايات، وجماهير، وقيمة علامة تجارية، وانتشار قاري، وتأثير إعلامي يتجاوز حدود الملعب. والأندية الكبرى تبني على هذا كله مشروعًا طويل الأمد يصنع قيمة مضافة، ويرفع تقييم النادي، ويعزّز حضوره داخل سلاسل الاقتصاد الرياضي العالمي. فهل يُلام الهلال لأنه اختار أن يكون ناديًا كبيرًا بمعايير الكبار، بدل الاكتفاء بلقبٍ محلي وصورةٍ محدودة؟
الأكثر إثارة أن من يصف إنفاق الهلال بـ«السلبي» يتجاهل أن النادي نفسه حقق بطولات آسيوية بميزانيات أقل. نعم، فعلها؛ لكنه يتجاهل أن السياق تغيّر جذريًا؛ فالرياضة السعودية دخلت مرحلة تنافسية جديدة بمشاريع استقطاب نوعية، ومعايير عالمية، واستعدادات لاستحقاقات ضخمة مثل كأس آسيا 2027 وكأس العالم 2034، وفي هذه المرحلة لا يكفي أن تكون بطلًا محليًا؛ عليك أن تكون سفيرًا تنافسيًا للقارة.
أما الادّعاء بأن الهلال يحتكر القارة أو يتصرّف كنادٍ «فوق الجميع»، فهو خطاب عاطفي يهرب من جوهر النقاش؛ فالهلال لا يمنع أحدًا من الصرف، ولا يُغلق سوق الانتقالات في وجه منافسيه. وكل نادٍ مسؤول عن إستراتيجيته، وجودة قراراته، وكيفية إدارة موارده. وحين تتعاقد بعض الأندية بمبالغ خيالية ثم تعجز عن تعظيم العائد الفني أو التسويقي، تجد نفسها مضطرة إلى إعادة تدوير لاعبيها في الدوري التركي أو غيره لتقليل الخسائر، أو تتعثر في الالتزامات فتتحول معظم ملفاتها إلى نزاعات وقضايا لدى الاتحاد الدولي لكرة القدم. عندها لا يصح تحميل الهلال تبعات هذا الواقع؛ فالمسألة حصيلة قرارات إدارية عشوائية ومتخبطة تراكمت على مرّ السنوات، وبدعمٍ من فقراء التحليل الذين يبرّرون الفشل ويبحثون له عن شماعات.