منصور بن صالح العُمري
أيها السائر بين انتظار المغرب وانتظار الفرج..
كنتَ تقف دقائقَ قبل الغروب،
تشدّ على ظمئك كما يشدّ المؤمن على يقينه،
لا تمتدّ يدك،
لا لأنك عاجز،
بل لأنك سمعت.
سمعتَ: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ}
فانحنت الشهوة.
وسمعتَ: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}
فثبتَّ عند الحد.
تعلمتَ من الشمس أنه لا يتأخر غروبها لحظة،
فوثقتَ أن الفرج كذلك لا يتأخر عن ميقاته طرفة عين.
فإن كنتَ قد صبرتَ عن جرعة ماءٍ
يقينًا بأن الأذان آتٍ،
فاصبر عن استعجال الجبر
يقينًا بأن وعد الله آتٍ.
وهنا يخرج الإقرار من أعماقك:
{سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا}
سمعنا أمر الصبر فثبتنا،
وأطعنا حكم التدبير فاطمأننّا.
ثم لا نتكئ على أعمالنا،
بل نقول بخشوع العارف بفقره:
{غُفْرَانَكَ رَبَّنَا}
فالطاعة مهما عظمت
تبقى دون جلالك،
والعبدُ مهما صفا
يبقى محتاجًا إلى رحمتك.
{وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ}
فليس الإفطار نهاية الصيام،
ولا زوال الكرب نهاية الحكاية،
بل النهاية عندك.
ثم ترتقي الروح درجةً أعلى..
فلا تكتفي بأن تسمع فتطيع،
بل تسمع فتأتي،
وتجعل حياتك كلها استجابة.
هناك يتحول الصيام من عبادة وقت،
إلى هوية قلب.
وتتحول الطاعة من فعلٍ عابر،
إلى مسار عمر.
فيخرج الإعلان الأعظم:
{قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}
لم يعد صوم يوم،
ولا انتظار مغرب،
بل حياةٌ كاملةٌ تتجه إلى الله،
ونهايةٌ تُسلَّم إليه.
وحين تُفتح الصحائف،
وترى عطشك المخبوء،
وصبرك الموقن بحلول الفرج،
وثباتك الذي لم يشهده إلا الله..
يدخلك في وعده العظيم:
{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}
فتعلم أن انتظار المغرب كان درسًا،
وأن انتظار الفرج كان تربية،
وأن أعظم فرحة
ليست عند غروب شمس،
بل عند إشراق نظرة الرضا عليك..
حين يقال لك:
سمعتَ.. فأتيتَ،
وأطعتَ.. فأخلصتَ،
فعِشْ الآن جزاء صبرك
بغير حساب.