مهدي آل عثمان
لم يعد التميز في عصر الاقتصاد المعرفي يُبنى على وفرة الموارد بقدر ما يُصنع عبر اكتشاف العقول المبدعة وتمكينها. فالدول التي تسابق المستقبل تدرك أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، وأن رعاية الموهبة مشروع وطني يعزز القوة الناعمة ويرفع من مستوى التنافسية العالمية. ومن هذا المنطلق جاء انعقاد المؤتمر الآسيوي التاسع عشر للموهبة والإبداع 2026 في جدة برعاية وزير التعليم يوسف البنيان، ليؤكد وعياً متقدماً بأهمية بناء سياسات تعليمية تستند إلى البحث العلمي وأفضل الممارسات الدولية.
ولم يكن المؤتمر مجرد تظاهرة علمية عابرة، بل منصة فكرية جمعت أكثر من 1200 خبير من 40 دولة، قدموا 350 ورقة عمل ناقشت أحدث الاتجاهات في رعاية الموهوبين وتطوير قدراتهم، في دلالة واضحة على أن الموهبة لم تعد ملفاً محلياً محدوداً، بل قضية عالمية ترتبط بمستقبل الاقتصاد المعرفي والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال.
ومن أبرز ما خرج به المؤتمر سبع توصيات استراتيجية تمثل خارطة طريق لتطوير منظومة تعليم الموهوبين، في مقدمتها تعزيز الاستثمار في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، وتحديث أنظمة التعليم، والتوسع في البرامج المتخصصة للطلبة ذوي الكفاءات العالية. ولم يكن هذا التوجه التقني خياراً شكلياً، بل استجابة طبيعية لتحولات عالمية متسارعة؛ فالعالم يعيش ثورة معرفية تقودها الخوارزميات والبيانات الضخمة، ولن يكون للموهبة أثر حقيقي ما لم تمتلك أدوات العصر وتُصقل بمهارات المستقبل.
كما أكدت التوصيات أهمية بناء القدرات المهنية للمعلمين، بوصفهم حجر الزاوية في اكتشاف الموهبة ورعايتها، والقادرين على تحويل الإمكانات الكامنة إلى طاقات منتجة. فلا يمكن الحديث عن برامج نوعية دون إعداد تربوي متخصص، وتدريب مستمر، وأدوات تقويم دقيقة تقيس جودة الأداء وكفاءة المخرجات.
ومن المحاور التي حظيت باهتمام كبير توسيع الشراكات الدولية وتطوير مؤشرات لقياس جودة برامج الموهوبين، إذ لم يعد نجاح هذه البرامج يقاس بعدد الأنشطة أو المسابقات، بل بمدى أثرها الحقيقي في حياة الطالب، وقدرته على الابتكار، ومشاركته في معالجة التحديات المجتمعية، وفق معايير واضحة تضمن الاستدامة وتمنع الاكتفاء بالشعارات.
إن الاستثمار في الموهوبين يتجاوز حدود البرامج الإثرائية داخل المدارس إلى بناء بيئة متكاملة تحتضن الإبداع، وتدعم البحث العلمي، وتعزز ثقافة السؤال والتجريب. فالطالب الموهوب يحتاج إلى مناخ يسمح له بالتفكير خارج الأطر التقليدية، ويمنحه مساحة للمحاولة والخطأ، ويشجعه على المبادرة وصناعة الحلول.
وقد انطلقت مخرجات المؤتمر من قناعة راسخة بأن تنمية الموهبة ركيزة من ركائز التنمية الوطنية، فالدول التي ترعى عقولها المتميزة هي ذاتها التي تتصدر مؤشرات الابتكار والاقتصاد المعرفي. والموهوب اليوم هو عالم الغد، ورائد الأعمال الذي يخلق الفرص، والباحث الذي يقدم الحلول للتحديات البيئية والصحية والتقنية.
وقد شهد المؤتمر إطلاق حزمة من المبادرات النوعية لبناء منظومة مستدامة لرعاية الموهبة، من أبرزها إنشاء منصات رقمية آسيوية مشتركة لاكتشاف الموهوبين وتبادل الخبرات البحثية، وبرامج تدريب متخصصة لإعداد معلمي الموهوبين وفق معايير عالمية، وحاضنات ابتكار طلابية تربط التعليم العام بالجامعات ومراكز الأبحاث وسوق العمل، إضافة إلى التوسع في برامج التسريع الأكاديمي والمسابقات العلمية الدولية ومشروعات البحث في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، بما ينقل رعاية الموهبة من الإطار النظري إلى التطبيق العملي المؤثر.
وتبقى المرحلة المقبلة مرهونة بقدرتنا على تحويل هذه التوصيات إلى خطط تنفيذية تتكامل فيها أدوار الوزارة وإدارات التعليم والمدارس والجامعات ومراكز الأبحاث، مدعومة بوعي مجتمعي يبدأ من الأسرة ويمتد إلى جميع مؤسسات المجتمع في اكتشاف الموهبة مبكراً واحتضانها.
إن تعليم الموهوبين استثمار في العقول التي تصنع التحول، وفي الإنسان الذي تُبنى به جميع الموارد، وهو مسار تنموي يتسق مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي جعلت التعليم النوعي وتمكين الإنسان ورعاية الموهبة والعناية بجميع فئات المجتمع مشروعاً وطنياً يحظى بالدعم والتمكين والمتابعة المستمرة تحت إشراف سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء – حفظه الله – في رحلة وطن يمضي بثبات نحو صناعة مستقبله بعقول أبنائه.
وتبقى الرسالة الأهم أن تحقيق مستهدفات الرؤية ليس مسؤولية جهة بعينها، بل هو عمل تشاركي يقوم على وعي الأسرة، وجهود المعلم، وطموح الطالب، ودعم المجتمع بمؤسساته كافة؛ فبرعاية الموهوبين نرعى العقول الناشئة التي تبني الأوطان وتعزز قدراتها، وبالتكافل والتكاتف تتحول الرؤية إلى واقع يكتبه أبناء الوطن بإبداعهم وإنجازهم.