منى السعدي
إن ما نشهده في هذه الأيام من حضور لافت لأقلام سعودية مذهلة في جودة الأفكار وتنظيمها بطريقة تسلسلية بارعة، سواء في صناعة الأفلام والمسلسلات أو الإعلانات وحتى في الفضاء الرقمي الواسع، يعكس عمق التحول الذي تعيشه المملكة.
جذور هذا الحراك تعود تحديداً إلى منتصف القرن العشرين خلال فترة الستينيات الميلادية، نجد أن الكتابة النسائية كانت تتسم بنوع من الاستحياء؛ حيث اتخذت الكثير من الكاتبات أسماءً مستعارة، وتركزت نصوصهن غالباً في القضايا الاجتماعية والتربوية فقط، ومع ذلك حاولن البروز ولعل من أبرزهن سارة بوحيمد، التي تُعد من أوائل من نشر قصائد النثر باسمها الصريح في مجلة «اليمامة»، متجاوزةً بجرأتها الأدبية التحفظ الثقافي السائد في تلك الحقبة، تبعتها أسماء رائدة في العمل المؤسسي مثل خيرية السقاف، التي سجَّلت سبقاً تاريخياً كأول سيدة تشغل منصب مدير تحرير في صحيفة سعودية مطلع الثمانينات.
ومع تطور المشهد الثقافي في الثمانينات والتسعينات، انتقلت الكتابة النسائية إلى مرحلة أكثر نضجاً مع اتساع نطاق التعليم الجامعي، مما مهد الطريق لظهور فن الرواية الذي استلهم الكثير من القراء، وبرزت فيه أسماء وصلت للعالمية مثل رجاء عالم، التي تُوجت كأول امرأة عربية تفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية «بوكر» عن روايتها (طوق الحمام).
ثم جاءت الحقبة الممتدة بين عامي 2000 و2010 لتشكل ملامح «الثورة الروائية» الكبرى، حيث تم كسر الكثير من العوائق الصامتة ومناقشة قضايا الهوية والاجتماع بشفافية، كما تجلَّى ذلك في أعمال أثير عبد الله النشمي وغيرها من الكاتبات اللواتي وضعن الرواية النسائية على خارطة التأثير العربي.
اليوم، لم يعد القلم النسائي حبيس الورق، بل قطع أشواطاً بعيدة في التأثير البصري والسينمائي؛ إذ نجد خلف أهم الأعمال الدرامية والسينمائية كاتبات صغنَ قصصهن من عبق التاريخ وتفاصيل الواقع، مثل هيفاء المنصور التي كتبت وأخرجت أول فيلم سعودي يصل لترشيحات الأوسكار، مما أحدث صدىً واسعاً وتأثيراً عميقاً في صناعة السينما والدراما المحلية.
ولقد أثبتت الكاتبة السعودية عبر هذه المحطات التاريخية أنها ليست مجرد مشاركة في المشهد، بل هي محرك أساسي ومبدع يقود صياغة الوعي الثقافي المعاصر بكل ثقة واقتدار.
أمام هذا التحول الجذري، يبدو أن القلم النسائي السعودي يتأهب اليوم لتجاوز مرحلة إثبات الذات إلى مرحلة قيادة المشهد الإبداعي؛ فماذا بعد؟ وهل سنجد الكاتبة السعودية غداً في منصات التتويج الكبرى بالمحافل السينمائية والدرامية العالمية؟ المؤشرات تؤكد أننا لا نعيش نهاية الرحلة، بل مجرد فصل البداية في رواية سعودية ملهمة ستذهل العالم.