د. رانيا القرعاوي
في كل عام يأتي الاحتفال في 22 فبراير تخليدًا لذكرى الدولة السعودية، تنتشر الأفلام القصيرة، وتمتلئ المنصات بالصور والعبارات والاحتفاء، ثم يعود الهدوء سريعًا. هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل نصنع ذاكرة وطن أم لحظة عاطفية عابرة؟
الدراسات في علم الاجتماع والاتصال تؤكد أن المناسبات الوطنية تُعد من أقوى محفزات الهوية الجمعية وتنشيط «الذاكرة الجماعية». يشرح بندكت أندرسون في أطروحته حول «الجماعات المتخيّلة» كيف تتشكل الهوية الوطنية عبر الرموز والطقوس المشتركة، فيما تشير تقارير اليونسكو إلى أن هذه الطقوس تعزِّز التماسك المجتمعي لكنها تفقد أثرها سريعًا إذا لم تُدعَم بسردية مستمرة ومحتوى تعليمي وإعلامي ممتد طوال العام. العاطفة إذن شرارة البداية، لكنها ليست الوقود الذي يضمن الاستمرار.
في الاتصال الإستراتيجي يُفرّق الباحثون بين «اللحظة الرمزية» و»السردية المستمرة». اللحظة هي يوم الاحتفال، أما السردية فهي ما يسبقه ويتبعه.
الدول التي نجحت في ترسيخ وعي وطني طويل المدى لم تعتمد على يوم واحد، بل على منظومة تعليمية وثقافية وإعلامية تُعيد إنتاج المعنى باستمرار. تقارير معهد رويترز لدراسة الصحافة تُظهر أن المحتوى المرتبط بالمناسبات يصل إلى ذروة الاهتمام خلال أيام الحدث ثم ينخفض سريعًا بعدها؛ وهي طبيعة «دورة الترند». الترند يرفع المشاعر.. لكنه لا يبني ذاكرة. والهوية لا تُبنى بالخوارزميات.
ما يبني الذاكرة الوطنية هو المحتوى الذي يبقى. ولهذا نجحت أعمال وثائقية وتاريخية حول العالم في ترسيخ هوية دولها عبر سرد طويل لا يطارد اللحظة. السلسلة الوثائقية The Vietnam War أصبحت مرجعًا تعليميًا وشاهدها ملايين لسنوات بعد إنتاجها، وأسهمت في إعادة قراءة حدث تاريخي معقد داخل المجتمع الأمريكي. والمسلسل البريطاني The Crown أعاد تعريف علاقة الأجيال الجديدة بتاريخ الدولة ومؤسساتها وأسهم في رفع الاهتمام العالمي بالتاريخ البريطاني. وفي كوريا الجنوبية شكَّلت الوثائقيات والدراما التاريخية جزءًا من القوة الناعمة التي عزَّزت حضور الثقافة الكورية عالميًا ورسخت فهم المجتمع لتاريخه الحديث. هذه الأعمال تشترك في نقطة واحدة: لم تُصنع للترند، بل للذاكرة.
في المقابل، تظهر مفارقة حين تختار بعض الأعمال التي تستلهم التاريخ والهوية أدوات ترويج بعيدة عن روحها.
مثال ذلك الترويج لمسلسل شارع الأعشى عبر أغنية راب. المشكلة ليست في فن الراب ذاته، بل في عدم الاتساق بين الرسالة والوسيلة. حين يكون العمل مستندًا إلى ذاكرة ثقافية محلية عميقة، فإن اختيار أدوات ترويج لا تنتمي إلى السياق نفسه يضعف الرابط العاطفي بدل أن يعزِّزه. دراسات الاتصال الثقافي تؤكد أن الاتساق بين الهوية والسرد والأسلوب البصري والصوتي عنصر أساسي في بناء الارتباط العاطفي مع الجمهور؛ فالجمهور يتفاعل مع إحساس الأصالة والصدق بقدر تفاعله مع القصة نفسها.
وعندما يظهر التباين بين مضمون العمل وأسلوب الترويج، يتحول التسويق إلى محاولة لمجاراة الترند بدل ترسيخ الهوية.
المفارقة أن التجارب العالمية الناجحة حافظت على هذا الاتساق؛ فالأعمال التي ترسخ الذاكرة الوطنية غالبًا ما تعتمد موسيقى وصورة وسردًا يعكس البيئة والثقافة والمرحلة الزمنية، ما يعزِّز الإحساس بالأصالة ويطيل عمر الأثر.
الهوية لا تحتاج إلى أن تُقدَّم بلغة الترند كي تصل؛ بل تحتاج إلى أن تُروى بلغتها الخاصة بثقة.
نحن بحاجة إلى ما هو أبعد من الوسوم. بحاجة إلى أفلام وثائقية، وأعمال درامية تاريخية، وبودكاست معرفي، وأرشيف رقمي، ومحتوى تعليمي يعيد سرد الحكاية الوطنية للأجيال.
الخوارزميات تتغيَّر كل يوم، أما القصة التي تُروى بصدق فتبقى لأجيال قادمة.