د. أنس عضيبات
في عالمٍ لم يعد ينام، نجد أنفسنا محاصرين بسيلٍ لا ينقطع من التنبيهات والرسائل، حيث تبدو المسافات بين القارات مجرد «نقرة» زر ومع ذلك، يبرز تناقضٌ صارخ؛ فبينما تزداد أرقام «الأصدقاء» والمتابعين على شاشاتنا، تتسع هوة الشعور بالوحدة في أعماقنا، ونحن نعيش اليوم في «زحام رقمي» صاخب، لكنه زحامٌ يفتقر إلى الدفء الإنساني، مما جعل «عزلة الزحام» ظاهرة العصر التي تلتهم هدوءنا النفسي بصمت. حيث تكمن المشكلة الجوهرية في الخلط بين «الاتصال» و»التواصل»، فالاتصال الرقمي هو عملية تقنية باردة تهدف لنقل المعلومات، بينما التواصل الإنساني هو تبادل للمشاعر، والنظرات، وطبقات الصوت التي لا تستطيع الرموز التعبيرية (Emojis) محاكاتها مهما بلغت دقتها، كما أننا نستهلك كميات هائلة من «فتات» التواصل عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما يعطينا وهماً مؤقتاً بالرفقة، لكنه يتركنا في نهاية اليوم جائعين عاطفياً لصلات حقيقية تتجاوز حدود الشاشة الزجاجية. إضافة إلى ذلك، تلعب «خوارزميات المقارنة» دوراً تخريبياً في تعميق هذا الشعور بالوحدة، فعندما نتصفح يوميات الآخرين المليئة بالنجاحات واللحظات المنتقاة بعناية، يتولد لدينا شعور خفي بأننا الوحيدون الذين نعاني من الرتابة أو الإخفاق، وهذا «الاغتراب الرقمي» يجعل الفرد يشعر بأنه يعيش في جزيرة منعزلة وسط محيط من البشر الذين يبدون -زيفاً- في قمة سعادتهم، مما يحول منصات «التواصل» إلى أدوات للعزلة والمقارنة القاتلة.
ومن الناحية السيكولوجية، أدت كثافة الاتصال إلى تآكل قدرتنا على الاستمتاع بـ «الوحدة الإيجابية»، ففي السابق، كان الصمت فرصة للتأمل ومراجعة الذات، أما اليوم، فقد أصبحنا نهرب من أي لحظة سكون باللجوء إلى الهاتف وهذا الهروب المستمر جعلنا نفقد الاتصال بأنفسنا أولاً، ومن يفقد الاتصال بذاته، يصعب عليه بناء جسور تواصل متينة مع الآخرين، فتصبح علاقاته سطحية وهشة تماماً كالتمرير السريع (Scrolling) الذي يمارسه على هاتفه.
وللمفارقة، فإن هذا الازدحام الرقمي خلق نوعاً من «التخمة المعلوماتية» التي أضعفت جودة إنصاتنا لبعضنا البعض وحتى في لقاءاتنا الواقعية، نادراً ما يكون الحضور كاملاً؛ فالهواتف دائماً ما تكون طرفاً ثالثاً على الطاولة، تسرق الانتباه وتكسر تدفق الحديث، فنحن موجودون جسدياً، لكن عقولنا مشتتة في عوالم افتراضية أخرى، مما يحول الجلسات العائلية أو لقاءات الأصدقاء إلى مجرد «تجمع للأجساد المنعزلة» التي تبحث عن انتماء لا تجده. إن استعادة الروابط الإنسانية في عصر «الزحام الرقمي» تتطلب شجاعة في وضع الحدود، والحل ليس بالانقطاع التام عن التكنولوجيا، بل في تحويل الانتباه من «الكم» إلى «الكيف» ونحن بحاجة لإعادة الاعتبار للكلمة المنطوقة، وللمسة الحانية، وللصمت المشترك، كما أن كسر قيود عزلتنا يبدأ حين ندرك أن ألف «إعجاب» لا تعادل نظرة تفهم واحدة في لحظة ضعف، وأن الاتصال الحقيقي يبدأ عندما نضع هواتفنا جانباً وننظر في عين الطرف الآخر.