صالح الشادي
يأتي شهر رمضان من كل عام حاملاً معه طقوسه الخاصة، وعلى رأسها المسلسلات الدرامية التي تتحول إلى رفيق دائم للمشاهدين بعد الإفطار. لكن المتتبع للساحة الدرامية في السنوات الأخيرة يلاحظ ظاهرة تستحق الوقوف عندها: كثرة الإنتاج مقابل تراجع الجودة، وتكرار القصص المملة والهشة التي تفتقر إلى البعد الأخلاقي والقيمي، مما أدى إلى نتائج سلبية أبرزها عزوف الكثير من المشاهدين عن متابعة هذه المسلسلات بعد أن كانت تشكل جزءاً أصيلاً من تقاليد الشهر الفضيل.
تعاني الدراما الرمضانية من أزمة حقيقية في المحتوى، حيث باتت القصص تدور في فلك واحد: صراعات عائلية، ثأر، حب مستحيل، أو قصص بوليسية مثيرة تفتقر إلى العمق. هذه القصص تكرر نفسها عاماً بعد عام، وكأن الكتاب استنفدوا أفكارهم أو أن صناع الدراما عاجزون عن الخروج من دائرة النمطية. والأكثر خطورة هو غياب الكتابة المتخصصة، حيث إن هذه الأعمال لا يكتبها أدباء أو كتاب متخصصون يمتلكون رؤية فنية وأدبية حقيقية. كثير من النصوص تُكتب على عجل، وتفتقر إلى البناء الدرامي المحكم، وتحتوي على حوارات ركيكة تخلو من العمق النفسي والمعرفي، مما ينعكس سلباً على جودة العمل ككل.
أما على مستوى الأداء التمثيلي، فلم يعد يرقى في كثير من المسلسلات إلى مستوى الاحترافية، حيث بات التمثيل أقرب إلى السطحية والاستسهال، مع تركيز على المبالغة في التعبيرات بدلاً من الأداء الصادق المرتكز على دراسة عميقة للشخصية. ونتيجة لهذا الفراغ الفني، تلجأ كثير من الأعمال إلى «التهريج» واللعب على الأوتار العاطفية والإثارة السطحية كبديل عن البناء الدرامي المحكم، مما يسقطها في فخ الابتذال ويجردها من أي بعد أخلاقي أو قيمي يمكن أن يثري وجدان المشاهد. وإذا انتقلنا إلى تحليل الأسباب الكامنة وراء هذه الأزمة، نجد أن ضعف الإنتاجية يمثل عاملاً رئيساً، فرغم ضخامة الميزانيات التي تُرصد لبعض الأعمال، إلا أنها تعاني من خلل هيكلي، حيث تُصرف الأموال على الديكورات الفخمة والملابس البراقة ونجوم الصف الأول، بينما يبقى النص والسيناريو هو الحلقة الأضعف. كما أن العقليات التي تدير الصناعة تشكل عائقاً كبيراً، فالذين يديرون صناعة الدراما في كثير من الأحيان هم منتجون وتجار لا يفقهون في الفن بقدر ما يفقهون في تجارة الإعلانات وتحقيق الأرباح، وهم يبحثون عن المنتج الأسرع استهلاكاً والأكثر قدرة على جذب المشاهدين بأي وسيلة، دون اكتراث بالرسالة الفنية أو القيمية للدراما.
كما أن هناك فئات تبحث عن المادة فقط، حيث تحولت الدراما إلى سوق للربح البحت، يتعامل فيها الكثير من العاملين على أنهم «يترزقون الله» فقط، دون أي انتماء حقيقي للفن أو رسالته. هذا التحول أدى إلى غياب الشغف والإبداع وحلول الروتين والاستسهال مكانهما. وتزيد الطين بلة سيطرة العلاقات الشخصية والمحسوبيات التي أصبحت معياراً للاختيار بدلاً من الكفاءة والموهبة، فنجوم بلا موهبة حقيقية يفرضون أنفسهم بدعم من منتجين أو جهات معينة، وكُتاب لا يملكون أدواتهم المهنية يجدون طريقهم إلى ورش الكتابة عبر علاقات لا عبر إبداعاتهم.
النتائج السلبية لهذه الأوضاع لم تعد خافية على أحد، فكثير من المشاهدين باتوا يعزفون عن متابعة المسلسلات الرمضانية بعد أن كانت تمثل جزءاً من طقوسهم اليومية في الشهر الكريم. هذا العزوف يعكس خيبة أمل الجمهور الذي لم يعد يجد ضالته في أعمال تسيطر عليها السطحية والابتذال، وتكرس أنماطاً فكرية وسلوكية لا تمت للمجتمع بصلة. كما أن الانعكاسات الثقافية والاجتماعية لهذا التراجع خطيرة، فالدراما الهابطة تسهم في تربية الذوق العام على التفاهة، وتعيد إنتاج صور نمطية مشوهة عن المجتمع، وتفقد قدرتها على التأثير الإيجابي في قضاياه الحقيقية.
ولعلاج هذه الأزمة، لا بد من العودة إلى الكتابة المتخصصة عبر إفساح المجال لكتّاب حقيقيين من خلفيات أدبية متنوعة، وإقامة ورش كتابة تحت إشراف خبراء، مع ضرورة إعطاء وقت كافٍ لكتابة النصوص ومراجعتها قبل الشروع في التصوير. كما يجب تطوير آليات الاختيار بحيث تخضع نصوص المسلسلات للجنة قراءة متخصصة تقيّمها فنياً وأخلاقياً قبل الموافقة على إنتاجها، بعيداً عن الضغوط التجارية أو العلاقات الشخصية. ولا يقل أهمية عن ذلك الاهتمام بالتدريب عبر إنشاء أكاديميات ومعاهد متخصصة في التمثيل والكتابة الدرامية، تعمل على تخريج كوادر مؤهلة قادرة على تقديم فن هادف ومتقن.
على المنتجين أن يدركوا أن الجمهور لم يعد ذلك المتلقي السلبي، بل أصبح ناقداً واعياً يبحث عن الجودة والمحتوى الهادف، فالاستثمار في المحتوى الجيد هو استثمار طويل الأمد يحقق النجاح على المستويين الفني والتجاري. ويقع على عاتق النقاد ووسائل الإعلام مسؤولية كبيرة في توجيه الذوق العام، عبر نقد موضوعي يسلط الضوء على الجيد ويُنبّه لخطورة الرديء، وتكريس ثقافة المشاهدة الواعية بدلاً من الاستهلاك العشوائي.
المسلسلات الرمضانية ليست مجرد وسيلة ترفيه، بل هي مرآة المجتمع ومنصة تؤثر في تشكيل الوعي والقيم. إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه، فإننا أمام خطر حقيقي يتمثل في تراجع الذوق العام وتكريس السطحية والتفاهة كقيم سائدة. الحل يبدأ بإرادة حقيقية لتغيير واقع الصناعة، عبر تضافر جهود المبدعين الحقيقيين والمنتجين الواعين والمؤسسات الداعمة، لنعيد للدراما العربية مكانتها وهيبتها، ونستعيد جمهوراً كان شغوفاً بمتابعتها، لكنه اليوم يبحث عن بدائل أكثر صدقاً وإمتاعاً.