مرفت بخاري
ثلاثون يومًا لا تشبه سواها، تأتي كل عام كأنها مصفاة للروح، تمرّ على قلوبنا فتغسل عنها غبار الأيام، وتلتقط من أعمارنا ما علق بها من تعبٍ وذنوب وأحمالٍ نفسية أثقلتها كثرة الانشغال والقيل والقال.
إنه شهر لا يزورنا عابرًا، بل يدخل إلى أعماقنا، يفتّش في زوايا الروح، ويعيد ترتيب الفوضى التي صنعتها سنة كاملة من الركض واللهاث.
هو شهر الرحمة.. لا لأنه يفيض بالمغفرة فحسب، بل لأنه يعيد الإنسان إلى فطرته الأولى، يروّض النفس، ويهذّب الرغبات، ويضع بين يدي القلب ميزانًا جديدًا يزن به الأشياء، في حضرته تخفّ حدّة الضجيج، وتتراجع الأنانية، وينمو في الداخل حب الخير حتى يظهر في أبسط الصور، في صدقةٍ خفية، في كلمةٍ طيبة، في عفوٍ صادق، في جبر خاطرٍ لا يعلمه إلا الله.
ثلاثون يومًا نتعلّم فيها أن الدين ليس طقوسًا معزولة عن الحياة، بل منهج يُصلح الدنيا قبل الآخرة، الصيام يعلّمنا الصبر والانضباط، والقيام يوقظ فينا يقظة الضمير، والصدقة تزرع البركة في المال، وصلة الرحم تعيد دفء العلاقات إلى مواضعها، حتى الكفّ عن الأذى عبادة، وحتى حفظ اللسان عمل، وحتى النية الصادقة تُكتب أثرًا باقيًا في ميزان الأيام.
وفي هذا الشهر نكتشف أن أعمالنا ليست أرقامًا عابرة، بل دروع حماية، كل عملٍ صالحٍ قدّمناه طوال العام هو رصيد نور، وسياج خفيّ يردّ عنا السوء، ويخفّف عنا البلاء، ويجبر ما انكسر في دواخلنا دون أن نشعر، ربّ معروفٍ صغير كان سببًا في دفع همٍّ كبير، وربّ دعوةٍ خرجت من قلبٍ مخلص فكانت لنا حصنًا حين اشتدّت الرياح.
لذلك، أجمعوا أعمالكم الصالحة كما يجمع المسافر زاده قبل الرحيل، استحضروا ما قدّمتم من خير، وادعوا الله به، وتوسّلوا إليه بصدق ما بينكم وبينه قولوا: يا رب، هذه صدقاتنا، وهذه دموعنا، وهذه محاولاتنا الصادقة أن نكون أفضل.. فتقبّل بها صيامنا وقيامنا، واجعلها لنا درعًا من كل سوء، وجبرًا لكل خاطرٍ مكسور، ونورًا يمشي بين أيدينا.
ومع كل ذلك، فإن أعظم ما يمنحه هذا الشهر ليس في ظاهره فحسب، بل في أثره العميق على الروح والنفس، رمضان ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فقط، بل امتناع عن الفوضى الداخلية، حين يجوع الجسد قليلًا، تصحو الروح كثيرًا، وحين يقلّ انشغال الحواس، يرتفع صوت الضمير. وحين نكبح الرغبات، نكتشف أننا لسنا أسرى لها كما كنا نظن.
رمضان يعيد للنفس توازنها، يخفّف حدّة التوتر، ويهذّب انفعالاتها، ويمنحها مساحة للتأمل والمراجعة، في زحام العام تتكدّس داخلنا مشاعر لم نمنحها فرصة للفهم، وندوب لم نلتفت إليها، وأحزان مؤجلة. فيأتي الشهر الكريم كاستراحة رحيمة، يفتح لنا باب الخلوة مع الله، فنبوح، ونبكي، ونعترف، ونبدأ من جديد. هو علاجٌ روحي قبل أن يكون عبادة جسدية، يعلّم القلب الطمأنينة عبر الذكر، ويمنح النفس سكينةً عبر القيام، ويزرع في داخلنا شعور الاكتفاء حين نتعلم أن نملك رغباتنا بدل أن تملكنا، ومن ذاق لذة السكينة في سجدةٍ صادقة أدرك أن أعظم النعم ليست مادية، بل صفاءٌ داخلي يعيد للإنسان انسجامه مع ذاته وربه.
وفي رمضان، تتطهّر النفس من التعلّق الزائد بالدنيا، لا لأننا نتركها، بل لأننا نعيد ترتيب مكانها في قلوبنا، فنفهم أن الدنيا وسيلة لا غاية، وأن السلام الحقيقي لا يُشترى، بل يُستمد من قربٍ صادق من الله.
لهذا كان رمضان مصفاةً كل عام، ودرعًا كل عام، ومدرسةً كل عام. من أحسن استقباله خرج منه أخفّ روحًا، أنقى سريرة، أصدق نية. ومن جعل أعماله فيه بدايةً لا نهاية، امتد أثره إلى ما بعد الثلاثين، فصار العام كلّه ظلًا لرمضان، وصارت الحياة رحلة تهذيبٍ مستمرة نحو الله.
هو شهر الرحمة.. وشهر الأعمال.
فاجعلوا منه نقطة تحوّل، لا محطة عبور.
وكونوا بخير.. وكل عام وأنتم بخير.