د.عبدالله بن موسى الطاير
ليست المرة الأولى التي أكتب في هذا الموضوع ولن تكون الأخيرة، ولا أريد إيقاظ نائم، ولا تذكير غافل، ولا أروج للكراهية، ولا أعادي السامية، إنما أتناول موضوعاً من موضوعات الأمس والساعة والمستقبل. لطالما أثار مفهوم إسرائيل الكبرى الممتدة من نهر النيل إلى الفرات في العراق، جدلًا واسعاً، وبخاصة بعد مؤتمرات القمة العربية التي كان يحضرها الرئيس عرفات رحمه الله، وسرعان ما يحيل الإعلام العربي «المستنير» خطابه على نظرية المؤامرة كأقصر الطرق لإجهاض تحذيراته.
تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والسفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي ليست مجرد خطاب هامشي صادر عن متطرفين صهاينة لا محل لهم من إعراب القرار السياسي. فعند هؤلاء الساسة تكون إسرائيل الكبرى جزءاً من مهمة تاريخية وروحية، ذات علاقة شرطية بأرض الميعاد التوراتية، ولإسرائيل حق ديني في الأرض الممتدة من النيل إلى الفرات، وأنه لا بأس إن استولوا عليها كلها تحقيقاً لعهد إلهي واجب النفاذ. تصريحات كهذه صادرة عن رئيس حكومة ودبلوماسي دولة عظمى، تدحض الزعم بأن مثل هذه الادعاءات مجرد زلات لسان، أو آراء متطرفة شاذة.
النصوص الدينية ليست بالضرورة خريطة طريق سياسية، فلها تأويلاتها المختلفة، إلا أن الصهيونية السياسية أعادت توظيفها في القرن التاسع عشر؛ تصوّر تيودور هرتزل في كتاباته ومذكراته عام 1904م دولة تمتد من «وادي مصر إلى الفرات»، ولاحقاً بالغ رواد التيار اليميني القومي المتشدد داخل الحركة الصهيونية مثل فلاديمير جابوتنسكي في هذا التصور، كما أدلى شخصيات مثل الحاخام فيشمان بشهادته أمام الأمم المتحدة عام 1947م بأن الأرض الموعودة تمتد من نهر مصر إلى الفرات، مؤكدا على وعد ديني عمره 4000 عام.
المروجون لإسرائيل الكبرى يمزجون الحماس الديني بالقومية، ومن أولئك الصهاينة المستوطنون الذين يعتبرون الاستيطان جزءاً من عملية الخلاص المسياني التي تسبق مجيء المسيح اليهودي. وهم التيار الذي تقوم على أكتافه وتطرفه حكومة الليكود الحالية، ومن رموزها وزير المالية سموتريتش، الذي ينادي منذ عام 2016م بقيام «إسرائيل الكبرى» التي تشمل دمشق وأراضٍ من سوريا ولبنان والأردن، والعراق ومصر.
الوهن العربي والهزائم المتتالية مكّن سياسيا لأيديولوجية إسرائيل الكبرى، خاصة بعد عام 1967م، وتأسست في تلك الظروف حركة إسرائيل الكبرى رسمياً، ومع مرور الوقت، أسهم النشاط القومي الديني في ترسيخ فكرة أن الاستيطان ليس إستراتيجياً فحسب، بل فعل مقدس، مما يؤسس لحقائق على الأرض يُفترض أن تدوم. اتكاء على ذلك الزخم، أقر الكنيست القانون الأساسي الإسرائيلي بشأن القدس عام 1980م مؤكدًا على أنها شرقيها وغربيها عاصمة موحدة للكيان. وفي عام 1981م اعتمد قانون مرتفعات الجولان، ومنذ ذلك الحين وقرارات الكنيست تتوالى لإحكام السيطرة أولاً على الضفة الغربية وعموم فلسطين، ثم يكون الطريق ممهدا لإسرائيل الكبرى، إنه عمل منظم يكتمل بناؤه بالتقسيط المريح.
على الصعيد الدولي، يروج الصهاينة المسيحيون، مثل هاكابي، لإسرائيل الكبرى من منظور إنجيلي، باعتباره تحقيقاً لنبوءة دينية تلزم أمريكا بمباركة مساعي إسرائيل ودعمها لتحقيق أهدافها الدينية ولتحل البركة بالتالي على أمريكا.
مجمل الحراك لا يبتعد كثيراً عن خطة عوديد ينون لعام 1982م لتقسيم الدول العربية التي نصت على فكرة مركزية تتمثل في أن أمن إسرائيل وتفوقها الإقليمي لا يتحققان بالتعايش أو السلام مع دول عربية قوية موحدة، بل يتحقق بتفتيت الدول العربية إلى كيانات صغيرة ضعيفة مبنية على الانقسامات الطائفية والعرقية والإثنية، موظفا التنوع الداخلي في المجتمعات العربية كالطوائف، والأقليات، والنزعات القبلية لتفجير الدول من الداخل لتحويل المنطقة إلى كانتونات من الدول الصغيرة غير القادرة على تشكيل تهديد لأمن لإسرائيل.
نحن نعيش عصراً يقربنا أكثر للحروب الدينية، وفي الوقت الذي يعاد فيه بعث الأحزاب السياسية ذات التوجه الديني في أمريكا وأوروبا، ويعلو خطابها مستقطباً الأتباع والمؤيدين، ونافضاً عن العقول ما ران عليها من علمنة وتحرر، تجنح دول الشرق الأوسط، خلا إسرائيل، إلى بناء سياساتها على أساس المصالح لا العقائد، والتعايش لا الحروب الدينية، ظناً منهم أن هذا كفيل بترويض إسرائيل، وإدماجها في المنطقة، دون أن يدركوا أن إسرائيل قابلة فقط للتعايش مع دول صغيرة غير قادرة على تشكيل قرار في مستقبل المنطقة.