د.عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب
تشبه المنطقة اليوم بأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية التي تم إعادة إعمارها عبر مشروع مارشال، وأي مشروع مثل هذا يتطلب قيادة تضمن استقرارا أمنيا، وأي قوة مهيمنة في العالم بحاجة إلى قيادات بارزة تشارك في فض المنازعات من أجل تأمين الأمن المشترك، وتأمين مسارات التجارة، وتحقيق الاستقرار المالي، والتعامل مع أزماته، وبعد الأزمة المالية عام 2008 تمزق أوصال النظام، وحلت بالعالم صدمات مربكة، وبعدها الجائحة، تزايدت المخاطر الجيوسياسية، وعادت الحمائية التجارية، وتعقدت سبل الاستثمارات.
مع تضاؤل النظام الدولي ما بعد الحرب العالمية الثانية تلوح فرص للقوى الصاعدة وليس الوسطى ومنها السعودية القادرة على تشكيل تجمعات إقليمية جديدة تستشعر أنه لا قيام لها إلا معا كمجموعات متسقة تتحرك كجسد واحد.
للسعودية ريادة إقليمية ومكانة دولية بفضل ثقلها الاستراتيجي ودورها المحوري، وهي نقطة ارتكاز في قلب العمق العربي والإسلامي، ومحركا مهما وفاعلا في الأحداث على المستوى الإقليمي والدولي بفضل ما تتمتع به من مكانة وثقل استراتيجي وجيوسياسي رفيع، وقوة اقتصادية كبيرة ومهمة، ودبلوماسية حكيمة طالما ميزت علاقاتها الخارجية مع الدول على أساس من التعاون المشترك لإرساء السلام والاستقرار في كل بقاع العالم.
مكانتها المهمة مكنتها من القيام بدور محوري في محيطها الخليجي والإقليمي، تلك المكانة حفز السعودية على استثمار مكامن قوتها الاقتصادية لبناء اقتصاد متنوع ومستدام، وتوظيف موقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي يربط القارات الثلاث آسيا وإفريقيا وأوروبا في إقامة مشاريع عملاقة تخدم رؤيتها المستقبلية.
النظام المالي العالمي بعد عام 1945 بدأ يفقد قدرته على ضبط إيقاع الاقتصاد العالمي، جعلت الاقتصادات الغربية أكثر هشاشة مما تبدو عليه، في المقابل تبحث دول الجنوب التحرر من التبعية التي كبلتها لعقود طويلة تجد نفسها محاطة بقوى مثل السعودية القادرة على أن تتبنى استقلاله الاقتصادي في ظل غياب توازن واضح بين القوى الكبرى، ولن يستمر في حالة انتظار هيكلي رهينة لتحولات الآخرين.
لذلك جاءت تصريحات وزير الخارجية السعودي في جنيف في فبراير 2026 بأن النظام العالمي بدأ يتآكل القائم على القواعد وإحلال مبدأ القوة محل القانون، بدأ قبل وقت طويل من النزاعات الراهنة، وأوضح أن أصول النظام العالمي الحالي تعود إلى الأزمة في أوروبا، التي أدت إلى إنشاء الأمم المتحدة، وأرست أسس نظام العلاقات الدولية الحالي.
وكانت الدول النامية على مدى العقدين الماضيين الأكثر تأثرا، فيما النزاع في أوكرانيا في إشارة إلى الكيفية التي كشفت بها الحرب الأوكرانية عن تآكل النظام الدولي وتأثيراته المتساوية على الجميع، أتت هذه التصريحات ضمن جلسة نقاشية بعنوان نقطة التحول، النظام الدولي بين الإصلاح والانهيار، وبعدما كان العالم الثالث وفي الدول النامية هي المتضررة ،بل أصبح اليوم حتى اللاعبين الكبار بدأ يتضرروا من النظام الحالي، ولم تعد الولايات المتحدة وأوروبا بعيدين كما كانوا في الماضي عن التأثر المباشر، فالتحولات الراهنة تفرض ضرورة ملحة لإعادة صياغة القواعد الدولية.
تطالب السعودية بإصلاح الهياكل التنظيمية للنظام الدولي، من خلال تطوير المؤسسات الدولية لتكون أكثر شمولية وعدالة، والسعودية متفائلة رغم الأزمات التي يواجها العالم اليوم، ومثال ذلك ان أوروبا كانت من أشد الداعمين للنظام القديم، لكنها اليوم أكثر اعترافا بانه لم يعد يعمل، وهناك حراك ونقاشات جادة تجري بقيادة سعودية بدرجة أعلى من الصراحة والشفافية لوقف الحرب في غزة تمهيدا للانتقال إلى معالجة قضية الحقوق الفلسطينية. حتى أمريكا عبر وزير خارجيتها في جنيف يصرح بأن أمريكا تريد قيادة ترميم وتجديد النظام العالمي وإعادة بناء مؤسساته، وطمأن أوروبا واستبعد التخلي عن التحالف عبر الأطلسي، ويدعو إلى الوحدة مع أوروبا، وقال نريد حلفاء يدافعون عن أنفسهم حتى لا يشعر أي خصم بالرغبة في تحدي قوتنا الجماعية، وأكد وزير الخارجية بقوله من أننا في أمريكا لا نود ان نكون رعاة مهذبين ومنضبطين لانحدار الغرب، لا نسعى إلى الانفصال بل إلى احياء صداقة قديمة.
العلاقات السعودية الصينية من الهامش إلى المتن، أي أنها تعيد تعريف علاقتها مع الغرب بالانفتاح على الصين، بل نجحت السعودية في تحويل التنافس بين أمريكا والصين إلى نقطة تعادل في المنطقة، وهي سبقت ترميم النظام العالمي القديم او إعادة بنائه الذي تدعو له الولايات المتحدة في جنيف إلى إعادة الاعتبار لسياسة الشراكة والتوازن في إطار النظام الآحادي القائم، مقابل وقف التنافس الجيوسياسي الصيني الذي يهدف إلى اضعاف الولايات المتحدة والتحرك نحو مركز النظام العالمي.
حيث ترى الصين أن هناك توازن قوة قادم وهو حقيقة تتأكد مع الوقت، وسيعطيها تشكيل بعض قواعد النظام العالمي على الأقل تعديل بعض قواعد النظام العالمي على الأقل تعديل بعضها سيفضي إلى ظهور قطب جديد للصين يمنح القوتان خيارات أكبر مما كانت عليه في حقبة القطب الواحد، وهي تتبنى رؤية لنظام عالمي متعدد الأقطاب يرفض الهيمنة الغربية، داعية إلى تعددية عادلة، قائمة على القانون الدولي، وتعزيز الحوكمة الشاملة، ونبذ عقلية الحرب الباردة، مع التركيز على مبادراتها الثلاث الرئيسية: التنمية العالمية، الأمن العالمي، والحضارة العالمية، لتعزيز صعودها كقوة رائدة، وهو ما عكس تباينا بين واشنطن وبكين في ميونخ حول شكل النظام الدولي وحدود قيادته، مع تبادل رسائل مباشرة متباينة بين واشنطن وبكين.
** **
- أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أم القرى سابقا