محمد بن عبدالله آل شملان
في بعض الأيام، لا يكون الزمن مجرد ساعات تمضي، بل ذاكرة تمشي على الأرض، ونبض يتردّد في صدور الناس وهم يستحضرون قصة وطنٍ كُتبت فصولها بالصبر والعزم والإيمان.
ويوم التأسيس ليس مناسبة عابرة في الروزنامة الوطنية، بل لحظة وجدانية عميقة، يعود فيها السعوديون إلى البدايات الأولى، إلى الجذور التي ضُرِبت في هذه الأرض منذ ثلاثة قرون، فأنبتت دولة وهويةً وراية.
في قصر الحكم، ذلك المكان الذي اعتاد أن يحتضن القرارات الكبرى واللقاءات التي ترسم ملامح الغد، تجلّى مشهد يحمل من الرمزية أكثر مما يحمل من الرسمية. فقد اطّلع مؤخراً صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن بندر بن عبدالعزيز على خطة إمارة منطقة الرياض والهيئة الملكية لمدينة الرياض لتنظيم برنامج الاحتفاء بهذه المناسبة الوطنية، وكأنما كان يطالع صفحات من تاريخٍ حيّ، لا مجرد بنود مكتوبة.
لم يكن الاستماع إلى الشرح المفصل حول البرنامج إجراء بروتوكولياً فحسب، بل بدا كحوار بين الماضي والمستقبل؛ بين رجالٍ يحملون الأمانة، وتاريخٍ ينتظر أن يُروى للأجيال الجديدة بلغة أقرب إلى القلب. ففي كل تفصيلة من تفاصيل الاحتفاء، رسالة تقول إن الوطن ليس حدوداً جغرافية فقط، بل قصة كفاح، وقيم راسخة، وهوية متجذّرة.
إن يوم التأسيس السعودي ليس ذكرى تاريخية تُستعاد، بل شعور بالامتداد، امتداد الإنسان إلى أرضه، وامتداد الحاضر إلى أمسه. هو تذكير بأن هذه الدولة قامت على أكتاف رجال آمنوا بالحلم، وصبروا على التحديات، وغرسوا بذور الاستقرار في أرض كانت تبحث عن الوحدة، فصارت وطناً يجمع القلوب قبل أن يجمع المدن.
من هنا، تأتي الفعاليات والتجارب الثقافية والتراثية وكأنها جسور من نور بين الأجيال؛ العرضة السعودية بسيوفها المتلألئة وأناشيدها التي تشبه خفقات القلب، والعروض المرئية والمحتوى الرقمي الذي يستعرض محطات الدولة السعودية بأسلوب معاصر، لا ليُبهِر العين فقط، بل ليوقظ الذاكرة. أما المعرض التوثيقي، فهو أشبه بسرد بصري طويل، يمسك بيد الزائر ويقوده عبر دروب التاريخ، ليريه كيف صاغ الأجداد معنى الصمود، وكيف أورثوا الأبناء قيمة الاعتزاز بالجذور.
وفي هذا المشهد، تبدو الرياض - وهي تنبض بالحياة - كأنها ترتدي ثوبها التراثي فوق حداثتها، تزاوج بين الأصالة والتجدد، وتقول للعالم إن المستقبل لا يُبنى إلا على أساسٍ متين من التاريخ. فالمدن التي تنسى بداياتها، تفقد ملامحها، أما التي تصون ذاكرتها، فتكبر بثقة وطمأنينة.
هكذا يصبح الاحتفاء بيوم التأسيس أكثر من احتفال، يصبح وعداً متجدداً بالوفاء. وفاءً لرجال البدايات، وللقيم التي قامت عليها الدولة، ولأرض علّمت أبناءها أن المجد لا يُوهَب، بل يُصنَع بالإرادة.
وفي طليعة هذا المشهد، يظل حضور القيادة واهتمامها بالتفاصيل رسالة طمأنينة لكل مواطن: أن التاريخ محفوظ، وأن الهوية مصونة، وأن الوطن يسير بخطى ثابتة، مستنداً إلى ماضيه، ومشرئباً إلى مستقبله.
إنها لحظة اعتزاز صافية.. لحظة يقول فيها القلب قبل اللسان: هنا بدأنا، ومن هنا سنواصل الحكاية.