د.شريف بن محمد الأتربي
يُكتب التاريخ ويؤرخ بأحداث عالمية تؤثر في العالم أجمع، وتحرك بوصلة النظر إلى هذا الحدث، ومنذ أكثر من 300 عام ظهر للعالم كيان جديد جعل كل قادة العالم آنذاك يعيدون التفكير في منطقة الشرق الأوسط وخاصة في الجزيرة العربية، فمن قبائل متشرذمة، وجهل وفقر، إلى دولة عفيه قوية، استطاعت خلال فترة زمنية وجيزة أن تضع اسمها على خارطة العالم، وعلى خارطة الدول القوية التي تؤثر في العالم قبل أن تتأثر به.
حين تأسست الدولة السعودية الأولى في منتصف القرن الثامن عشر على يد الإمام محمد بن سعود - رحمه الله، لم يكن أكثر المتفائلين يتوقع لهذه الدولة الوليدة أن تكون محورا لأحداث العالم خلال فترة وجيزة، ولكن -وبفضل الله تعالى- لعب الإمام دورًا كبيرًا ومحوريًا في قيام الدولة، حيث قام بتوحيد القبائل النجدية تحت راية الإسلام الذي كان غائبا في تلك الفترة، حيث انتشر الفقر والجهل والحوادث الإجرامية.
لم يكتف الإمام بعد وصوله إلى السلطة بتوحيد القبائل فقط، بل بدأ في توسيع نفوذ الدولة، مما ساهم في تعزيز الأمن والسلام في المنطقة، حيث كانت فترة حكمه مليئة بالتحديات التي كادت أن تعصف بالدولة الوليدة، حيث واجه مقاومة من القوى المختلفة، لكنه تمكن بفضل إستراتيجياته الفعّالة من توحيد المناطق المحيطة.
تولى الإمام محمد بن سعود الحكم من 1744م حتى 1765م، وخلفه ابنه الإمام سعود بن محمد، الذي واصل مسيرة التوسع التي قادها والده رحمه الله، ويُعزى للإمام سعود توسيعه رقعة الدولة لتشمل أجزاءً من الحجاز واليمن. استمرت الدولة على نهجها التوسعي بعد وفاة الإمام سعود حيث تولى الإمام عبد العزيز بن محمد الحكم، وقد عُرفت فترته بالفترة الذهبية في تاريخ الدولة، حيث استطاع تعزيز الأمن وتحقيق الاستقرار، وأحدث ازدهارًا اقتصاديًا وثقافيًا، كما تم تطوير مرافق الحكم والإدارة.
مع بداية الجيل الثالث؛ ورغم استمرار الإمام سلمان بن عبد العزيز في النهج الإصلاحي، إلا أن قوى الشر اجتمعت لإضعاف الدولة، حيث واجهت تحديات خارجية، مما أسفر عن تراجعها المؤقت في عام 1818م.
بعد ست سنوات وتحديدا في عام 1824م تأسست الدولة السعودية الثانية على يد الإمام تركي بن عبد الله آل سعود -رحمه الله-، حيث تمكن الإمام تركي من استعادة السيطرة على الرياض، وكان له دور بارز في توحيد المناطق المجاورة تحت حكمه. استمر حكمه حتى عام 1834م، حيث تولى ابنه الإمام فيصل بن تركي الحكم، وشهدت هذه الفترة توسيع نطاق الدولة لتعزيز الأمن والاستقرار، بالإضافة إلى تطوير الاقتصاد المحلي من خلال تعزيز التجارة والزراعة.
تولى الإمام عبد الرحمن بن فيصل الحكم في عام 1865م، في فترة حكم استثنائية، حيث واجه تحديات كبيرة من قوى منافسة مثل العثمانيين. بعد وفاة الإمام عبد الرحمن، تولى الأمراء في المنطقة الحكم، لكن الإمام فيصل بن تركي استعاد السيطرة مرة أخرى، وعمل على تحقيق وحدة وطنية قوية. استمرت الدولة الثانية حتى عام 1891م عندما اجتمعت قوى الشر مرة أخرى وبشراسة على الدولة، واستعانوا بالعثمانيين الذين أنهكوا قوة الدولة، ليبدأ بذلك عهدا من الفوضى وعدم الاستقرار، مما أدى إلى تقسيم البلاد.
بعد ما يقارب العشر سنوات، وفي عام 1902م، وتحت قيادة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن -رحمه الله- تأسست الدولة السعودية الثالثة، حيث نجح في استعادة الرياض بعد فترة من الفوضى والانقسام.
بدأ الملك عبد العزيز منذ ذلك الحين جهودًا مكثفة لتوحيد القبائل والمناطق المختلفة تحت حكم المملكة، وبحلول عام 1932م، تم الإعلان رسميًا عن تأسيس المملكة العربية السعودية، حيث أسس الملك عبد العزيز نظامًا إداريًا قويًا يعزز من الأمن والاستقرار. حكم الملك عبد العزيز حتى وفاته في 1953م، وخلال فترة حكمه، أطلق مشروعات تطويرية في مجالات التعليم والصحة والبنية التحتية. بعد وفاته، تولى الملك سعود بن عبد العزيز الحكم، الذي استمر حتى عام 1964، وأثناء حكمه، شهدت المملكة نقلة نوعية في مجالات الاقتصاد والنفط. تلاه الملك فيصل بن عبد العزيز، الذي أرسى سياسات إصلاحية وتطويرية شاملة حتى اغتياله في عام 1975. بعده، تولى الملك خالد بن عبد العزيز الحكم، وعرف بفترة من الاستقرار والنمو. ثم جاء الملك فهد بن عبد العزيز، الذي أسس مرحلة جديدة من التحديث والتطوير في جميع جوانب الحياة بالمملكة، واستمرت تلك الرحلة من التطوير حتى عهد الملك عبد الله بن عبد العزيز، الذي ركز على التعليم والتنمية البشرية.
في عام 2015م تولى مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز الحكم، حيث شهدت المملكة العربية السعودية تحولًا ملحوظًا في مختلف المجالات، وأسهمت رؤيته في تعزيز مكانة المملكة على الساحة الدولية. وقد حرص على تنفيذ العديد من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، من أبرزها رؤية السعودية 2030، التي أطلقها سمو سيدي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان. تهدف هذه الرؤية إلى تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، من خلال تعزيز الاستثمار في القطاعات الأخرى مثل السياحة والتكنولوجيا.
يشهد العالم أجمع لسمو سيدي الأمير محمد بن سلمان، بأنه واحد من أبرز قادة التحول في التاريخ عامة، وفي تاريخ المملكة خاصة، فبفضل طموحه ورؤيته المتقدمة، عمل على دفع عجلة التنمية من خلال مشاريع عملاقة كمدينة نيوم والمشاريع السياحية الكبرى، مما جعل المملكة تتمتع اليوم بقوة اقتصادية متزايدة، حيث عزز مكانتها الإستراتيجية في العالم، وأصبحت تحظى بتعاون دولي موسع.
لقد شهد العالم كله على سرعة التحولات والتغيرات التي أحدثها مولاي خادم الحرمين الشريفين وسمو سيدي ولي العهد -حفظهما الله- في المجتمع السعودي خلال فترة وجيزة، حيث تم تعزيز حقوق المرأة وتمكينها في مختلف المجالات، مما ساهم في إحداث تغييرات إيجابية في المجتمع السعودي، وعكس ذلك على رؤية وقوة المملكة في عهدهما، حيث يؤكد التزامهما بتقديم مستقبل مزدهر للأجيال القادمة.
إن مسيرة الدولة السعودية، منذ الدرعية عام 1744م إلى الرياض الحديثة اليوم، ليست مجرد تعاقب حكومات، بل قصة تحوّل حضاري شامل، ثلاث دول تعاقبت، وتراجعان أعقبهما نهوض، حتى استقر الكيان في صورته الحديثة عام 1932م، ففي أقل من مئة عام، انتقلت المملكة من اقتصاد بسيط محدود الموارد إلى دولةٍ مؤثرة ضمن أكبر اقتصادات العالم، وفاعلة في السياسة، والطاقة، والاستثمار، والتنمية.
إنها قصة وطنٍ بدأ من الطين وسعف النخيل، وانطلق نحو الفضاء الرقمي والمدن الذكية، قصةُ صحراء تعلّمت أن تكتب اسمها بين الدول الكبرى.