د. الجوهرة بنت فهد الزامل
في وطن التأسيس، لا يقتصر التأسيس على لحظة تاريخية مجيدة، بل يتحول إلى ديناميكية حية تتجدد يومياً. منذ أرسى الملك عبدالعزيز آل سعود -طيب الله ثراه- أركان الدولة الحديثة، مروراً بالملوك المتعاقبين -رحمهم الله-، وصولاً إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، أصبح التأسيس منهجية استراتيجية تربط الجذور بالآفاق برؤية تدير التحول بوعي وثبات.
تتميز هذه المنهجية بذكاء حضاري نادر: تحويل الأصالة إلى رأس مال ثقافي غير قابل للاستنزاف، فالحفاظ على التراث، وإحياء السياحة الثقافية، وصون المواقع التاريخية، وتعزيز اللغة العربية بوصفها وعاءً للذاكرة الجمعية، ليس ترفاً رمزياً؛ بل استثمار طويل المدى في المناعة المعنوية للمجتمع. في عصر تتآكل فيه الهويات أمام عاصفة العولمة والتسارع الرقمي الجامح، يتحول التمسك بالجذور من مجرد دفاع ثقافي إلى شرط توازن حضاري لا انكفاء، وأداة حضور عالمي لا انعزال.
وهنا يَتَحَوَّلُ التُّراثُ من ذاكِرةٍ مَحفوظةٍ إلى قُوَّةٍ فاعِلةٍ تحمى وتَفتَحُ في آنٍ واحِدٍ. وعلى المستوى العملي، يتجسد التأسيس اليومي في استراتيجية تضع الإنسان محور كل قرار. المبادرات التعليمية التي تعد جيلاً قيادياً، والرعاية الصحية الشاملة، وبرامج تمكين الشباب والعمل التطوعي، كلها تصوغ نسيجاً وطنياً متماسكاً: مواطن فاعل يشعر بانتماء الوطن، لا مجرد مستفيد من خدماته. هنا ينتقل التخطيط من هندسة البنى إلى هندسة الوعي، ويصبح التماسك الاجتماعي ركيزة أمن مستدام لا ظرفاً مؤقتاً.
تكمن عبقرية الرؤية في هذا العهد في معادلة دقيقة: حداثة لا تقطع مع الجذور، وأصالة لا تعيق الانطلاق، فالمدن الذكية، والتحول الرقمي، والمشاريع التنموية الكبرى، ليست قفزات منفصلة عن التاريخ، بل امتداد نابض لروح التأسيس الأولى. وبهذا الفهم، يتحول كل مشروع إلى لبنة واعية في بناء طويل النفس، يُدار بثقة ويُنجز بانضباط.
في المحصلة، لا تُقاس قوة وطن التأسيس بعدد المشاريع فحسب، بل بقدرته على إبقاء فكرة التأسيس حيّة في الضمير الجمعي وصنع القرار معاً. في عهد الملك سلمان، لم يعد التأسيس ذكرى تُستعاد، بل ممارسة يومية تُرسخ الثبات وتستشرف المستقبل.
وهكذا يصبح كل يوم تأسيساً جديداً... فتبقى الدولة مشروعاً حياً مفتوحاً، يُبنى بوعي استراتيجي، ويُحمى بقيم أصيلة، ويزدهر بثقة ثابتة لا تتزعزع.
فالدولة لا تُبنى بالخطط وحدها، بل بالفهم العميق للجذور، وبالعقل الذي يرى المستقبل كما يرى أصالته.