مهدي آل عثمان
في كل عام، حين تحل ذكرى يوم التأسيس، لا نستدعي حدثاً تاريخياً عابراً، بل نستحضر لحظة مفصلية غيرت مجرى الحياة في الجزيرة العربية، وأعادت تشكيل الإنسان والمكان. ذلك اليوم الذي بدأ فيه مشروع الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود -رحمه الله- حين تحولت الفكرة إلى كيان، والتطلع إلى وحدة، والتشتت إلى وطن. ومن هنا فإن الحديث عن هذه المناسبة ليس احتفاءً بالماضي فقط، بل قراءة واعية لمعنى أن يكون لنا وطن مستقر بعد قرون من الفرقة، وآمن بعد مراحل من القلق، وأن يكون قادرا على صناعة مستقبله بثقة واقتدار.
لقد كان التأسيس موقفاً قبل أن يكون تاريخاً، ووعياً قبل أن يكون حدوداً جغرافية. حين اجتمع الناس على هدف واحد، أدركوا أن الاتحاد قوة، وأن الاجتماع أساس البقاء، وأن الأمن هو القاعدة التي تُبنى عليها كل تنمية. لم تكن تلك المرحلة مرفهة ولا سهلة، بل كانت سنوات من الصبر والعمل والتضحية، عاش فيها الآباء والأجداد ضيق العيش، وتحملوا قسوة الحياة، ليصنعوا لأبنائهم واقعاً مختلفاً، ووطناً يليق بالإنسان.
واليوم، ونحن نعيش في ظل هذا الوطن الشامخ، تتجدد المسؤولية مع كل مناسبة وطنية، ويصبح للوعي دور أكبر من مجرد الاحتفال. فالنعم لا تُحفظ بالذاكرة وحدها، بل تصان بالإدراك العميق لقيمتها، والعمل على استمرارها. وهنا تتجلى قيمة الكلمة الصادقة، والموقف الواعي، وكسر جدار الصمت حين يكون الصمت غياباً للدور، أو تراجعاً عن أداء الأمانة.
إن الاحتفاء بيوم التأسيس يعني أن نربط أبناءنا بجذورهم، وأن نُحدثهم عن الوطن بوصفه قصة كفاح طويلة، لا مجرد واقع وُلدوا فيه. أن يدركوا أن ما يعيشونه من أمن واستقرار وتنمية هو نتيجة مسيرة ممتدة، بدأت من الدرعية، ومرت بمراحل التوحيد، حتى وصلت إلى هذا العهد الزاهر الذي تقود فيه المملكة تحولاتٍ كبرى، وتقدم نموذجاً تنموياً يلفت أنظار العالم كله في ظل رؤية المملكة 2030.
جيل اليوم يعيش في زمن مختلف، زمن تتسارع فيه المعلومة، وتتعدد فيه المنصات، وتتشابك فيه الأصوات. وفي هذا الفضاء المفتوح لم تعد التحديات تقليدية، بل أصبحت معركة وعي بالدرجة الأولى. وهنا يتأكد أن دورنا لا يمكن أن يكون حيادياً أو صامتاً، بل فاعلاً ومؤثراً، ننقل الحقيقة، ونغرس الانتماء، ونحصن العقول بالمعرفة، ونُعلم أبناءنا كيف يميزون بين النقد البنّاء ومحاولات التشكيك، وبين النصيحة الصادقة والبث الهدّام.
فالمواطنة الحقيقية لا تُختزل في العبارات، بل تظهر في السلوك، في احترام النظام، في الإخلاص في العمل، في المحافظة على المكتسبات، وفي الاعتزاز بالمنجزات الوطنية. وهي قبل ذلك كله شعور عميق بأن هذا الوطن ليس مكاناً نعيش فيه فقط، بل هو هوية ننتمي إليها، وتاريخ نحمله، ومسؤولية نؤديها.
إن يوم التأسيس يذكرنا بأن الدولة التي بدأت من فكرة صادقة استطاعت أن تبني لنفسها مكانة بين الأمم، لأنها قامت على الإنسان أولاً. واليوم، حين تستثمر المملكة في التعليم، وفي تمكين الشباب، وفي تعزيز جودة الحياة، وفي تنويع الاقتصاد، فإنها تواصل المسار نفسه الذي بدأ قبل ثلاثة قرون: بناء الإنسان ليكون هو أساس التنمية وغايتها.
كما يعلمنا هذا اليوم أن الأمن ليس حالة عابرة، بل إنجاز مستمر، وأن الاستقرار الذي نعيشه لم يأتِ صدفة، بل كان ثمرة تضحيات وجهود متراكمة. ومن هنا فإن المحافظة عليه مسؤولية مشتركة، تبدأ من الأسرة، وتمتد إلى المدرسة، وتصل إلى كل موقع عمل، حيث يتحول كل فرد إلى شريك في البناء.
لسنا مطالبين بالصوت المرتفع، ولا بالخطاب العاطفي، بل بالكلمة الصادقة التي تعكس وعياً وإنصافاً واصطفافاً مع الوطن في وجه كل ما يستهدفه. فالدول لا تسقط فجأة، بل تبدأ حين يتراجع الوعي، ويضعف الانتماء، ويظن البعض أن ما يعيشه من نعم أمر طبيعي لا يحتاج إلى حماية.
في يوم بدينا، نستحضر البدايات لنؤكد الاستمرار، ونستعيد قصة التأسيس لنكتب فصول المستقبل. هو يوم نعلن فيه أن الوفاء للتاريخ يكون بالعمل للحاضر، وأن الانتماء الحقيقي يظهر في المواقف، وأن الكلمة حين تكون صادقة تصبح جزءاً من مسيرة البناء.
إن هذه المناسبة الوطنية ليست ذكرى نمر بها، بل محطة وعي نجدد فيها العهد مع وطن بدأ قوياً وسيبقى -بإذن الله- أقوى بأبنائه. وكما كان الآباء أوفياء للبداية، فإن مسؤوليتنا أن نكون أوفياء للاستمرار، نحمل الأمانة بوعي، ونصونها بعمل، ونورثها للأجيال القادمة وطناً شامخاً آمناً مزدهراً.. فهذا هو معنى يوم بدينا، وهذا هو معنى أن تكون الكلمة أمانة ووفاء للتاريخ ومسؤولية للمستقبل.
حفظ الله بلادنا وقيادتنا من كل سوء ومكروه، وأدام الله علينا الرخاء والاستقرار والازدهار.