د. منى بنت سعيد القحطاني
البدايات: حين خرج القرار من قلب الصحراء
في عام 1727م، لم تكن الجزيرة العربية على موعدٍ مع حدثٍ عابر، بل مع ولادة دولة، حين أسس الإمام محمد بن سعود الدولة السعودية الأولى، لم يكن يؤسس سلطةً محدودة الأثر، بل كان يضع حجر الأساس لفكرة الدولة الجامعة؛ دولةٍ تؤمن بأن الاستقرار شرطٌ للعمران، وأن الاجتماع قوة، وأن بناء الإنسان يسبق كل بناء.
من تلك اللحظة، بدأت مسيرةٌ لم تكن سهلة، لكنها كانت واضحة الوجهة. تأسيسٌ حمل في جوهره معنى الثبات، ومعنى الانتماء، ومعنى أن يكون للناس كيانٌ يحتضنهم ويحميهم. كانت الصحراء آنذاك مسرح البداية، لكنها لم تكن حدود الطموح.
من التأسيس إلى التوحيد: ولادة المملكة الحديثة
لم تتوقف المسيرة عند التأسيس الأول. تعاقبت المراحل، وتجدّدت الدولة، حتى جاءت لحظة فارقة في مطلع القرن العشرين، حين نهض الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود بمشروع التوحيد، فاستعاد الرياض عام 1902م، ومضى بخطى ثابتة نحو توحيد أقاليم البلاد تحت رايةٍ واحدة، ليُعلن عام 1932م قيام المملكة العربية السعودية.
كان التوحيد أكثر من إنجاز عسكري أو سياسي؛ كان إعادة صياغة شاملة لفكرة الدولة في صورتها الحديثة. انتقلت البلاد من كيانات متفرقة إلى دولةٍ ذات سيادة واضحة، ونظام إداري متماسك، ومؤسسات تتشكل تباعًا. ومن هنا، دخلت المملكة طورًا جديدًا من أطوار البناء، طور الدولة الحديثة التي تمضي بخطى مدروسة نحو التنمية.
الدولة الراسخة: من النفط إلى بناء المؤسسات
مع اكتشاف النفط، دخلت المملكة مرحلةً مفصلية. لم يكن النفط مجرد مورد اقتصادي، بل أداة تحول تاريخي. غير أن التحول الحقيقي لم يكن في الثروة ذاتها، بل في كيفية إدارتها. فقد استُثمرت العوائد في بناء البنية التحتية، وتشييد المدارس والجامعات، وتطوير الأنظمة الإدارية، وإرساء مؤسسات الدولة، وفي هذه المرحلة، تشكّلت ملامح المملكة كدولة مؤسسات، دولةٍ تُخطط وتبني وتستثمر في الإنسان. أصبح التعليم أولوية، والصحة ركيزة، والتنمية هدفًا مستمرًا. وهكذا انتقلت المملكة من طور التأسيس السياسي إلى طور التمكين التنموي.
الملك سلمان... التاريخ حين يتحول إلى وعيٍ حيّ
ومع تولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود مقاليد الحكم، تعزّز البعد التاريخي في قراءة الحاضر. فالملك سلمان عُرف بعنايته الدقيقة بتاريخ المملكة، وبحرصه على أن يبقى التأسيس حيًا في الذاكرة الوطنية، وإقرار يوم التأسيس مناسبةً وطنية لم يكن إجراءً بروتوكوليًا، بل رسالة تقول إن الدولة التي تعرف بدايتها جيدًا، تستطيع أن تخطط لنهاياتها المفتوحة بثقة. لقد أصبح التاريخ جزءًا من مشروع النهضة، لا مجرد فصلٍ يُقرأ في الكتب.
محمد بن سلمان... الرؤية كمرحلة جديدة من التأسيس
ثم جاءت رؤية 2030، التي يقودها سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، لتشكل نقطة انعطاف كبرى في مسار التحول. لم تكن الرؤية برنامجًا اقتصاديًا فحسب، بل إعادة تعريف شاملة لأولويات الدولة، وانتقلت المملكة من اقتصاد يعتمد على النفط كمورد رئيس، إلى اقتصاد يسعى للتنوع والابتكار. برزت المشاريع العملاقة، وتقدمت قطاعات السياحة والثقافة والترفيه، وتعزز دور المرأة، وارتفعت وتيرة الاستثمار في التقنية والذكاء الاصطناعي، وكان ذلك امتدادًا طبيعيًا لمسار بدأ بالتأسيس، ثم بالتوحيد، ثم ببناء الدولة الحديثة، وصولًا إلى مرحلة إعادة التموضع عالميًا.
من النفط إلى البيانات: دخول عصر الذكاء الاصطناعي
في عالمٍ تُعاد فيه صياغة الاقتصادات على أساس البيانات، أدركت المملكة أن المستقبل يُكتب بلغة التقنية. ومن هنا برز حضورها في Global Partnership on Artificial Intelligence (GPAI)، ليس كمجرد مشارك، بل كشريك في صياغة السياسات والأطر الأخلاقية للذكاء الاصطناعي عالميًا.
الانتقال من اقتصادٍ نفطي إلى اقتصادٍ معرفي لم يكن قفزةً فجائية، بل نتيجة مسارٍ طويل من الاستثمار في التعليم، وبناء الكفاءات، وتطوير البنية الرقمية. لقد أصبحت البيانات ثروة العصر، وأضحى الذكاء الاصطناعي أحد أعمدة التنافس الدولي، والمملكة حاضرة في هذا الميدان بثقة الكيان الراسخ.
التحول التاريخي: معادلة الثبات والطموح
إن التحول الذي شهدته المملكة منذ 1727م حتى اليوم يمكن قراءته بوصفه مسارًا متدرجًا:
تأسيسٌ يضع الجذر، توحيدٌ يرسّخ الكيان، بناءٌ يؤسس المؤسسات، ورؤيةٌ تعيد تعريف المستقبل.
في كل مرحلة، كان هناك عنصر ثابت: (الإيمان بأن الدولة مشروعٌ طويل الأمد، لا يُقاس بلحظةٍ عابرة).
ومن الصحراء التي خرج منها قرار التأسيس، إلى المنصات الرقمية التي تُصاغ عليها سياسات الذكاء الاصطناعي، تمضي المملكة بخطٍ متصل من الرؤية والمسؤولية.... كيانٌ يتجدد ولا ينحني.
اليوم، تقف المملكة العربية السعودية شامخةً بكيانها، بتاريخها، وقيادتها، وشعبها. شموخها ليس شعارًا، بل مسيرة قرون. من الإمام المؤسس، إلى الملك عبدالعزيز موحّد البلاد، إلى ملوكٍ تعاقبوا على البناء، إلى عهد الملك سلمان ورؤية ولي عهده الطموحة، تتجسد قصة دولةٍ لا تعرف السكون.
من صحراء التأسيس، إلى راية التوحيد، إلى منصات الذكاء الاصطناعي...
سارت المملكة بخطى واثقة.. كيانٌ تأسس ليبقى، وتوحّد ليعلو، وتحوّل ليقود المستقبل.