محمد عبدالله القميشي
ليست المملكة العربية السعودية حكاية عابرة في كتاب التاريخ، ولا كيانًا تشكّل مصادفة ثم استمر، بل هي مشروع دولة وُلد من رحم التحدي، وترسّخ على أساس الرسالة، وتثبّت بالإيمان والعدل والعزم. ومن هنا، فإن يوم التأسيس ليس مجرد ذكرى وطنية، بل شهادة تاريخية على ميلاد دولة قرَّرت أن تكون، فكانت.
في الثاني والعشرين من فبراير عام 1727م، وضع الإمام محمد بن سعود اللبنة الأولى للدولة في الدرعية، مؤسسًا كيانًا لم يقم على منطق القوة وحده، بل على رؤية واضحة قوامها توحيد الصف، وبسط الأمن، وترسيخ مرجعيةٍ تضبط شؤون المجتمع. كان التأسيس استجابة لحاجة ملحّة إلى الاستقرار في زمنٍ أنهكته الفوضى، فجاء ليؤسس لمرحلة جديدة من التنظيم والطمأنينة.
لم تكن الدولة السعودية الأولى توسعًا جغرافيًا فحسب، بل تأسيسًا لفكرة الدولة العادلة التي يأمن فيها الإنسان على دينه ونفسه وماله. ومن هنا جاء استقرارها نتيجة طبيعية لنهجها. وحين واجهت الدولة تحديات جسامًا، لم تُهزم الفكرة، بل بقيت حيَّة في وجدان المجتمع، لتعود في طورها الثاني، ثم تتجدد بقوة مع الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود، الذي أعاد توحيد البلاد، جامعًا بين الحكمة السياسية والرؤية الإستراتيجية، ومؤسسًا دولة حديثة على أسس راسخة.
ومع إعلان قيام المملكة عام 1932م، دخلت البلاد مرحلة بناءٍ شامل شمل مؤسسات الدولة، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز التعليم والاقتصاد. لم يكن هذا التحول وليد الإمكانات المادية وحدها، بل ثمرة قيادة واعية وشعبٍ مؤمن بقيمة الاستقرار والعمل.
وفي العهد الراهن، بقيادة خادم الحرمين الشريفين سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان آل سعود، تتواصل مسيرة التطوير برؤية طموحة تستشرف المستقبل بثقة، وتعزِّز مكانة المملكة إقليميًا ودوليًا، وتؤكد أن البناء لا يتوقف، وأن الطموح لا يعرف السقف.
إن الاحتفاء بيوم التأسيس هو احتفاء بمعنى الاستمرارية؛ استمرارية الفكرة، واستمرارية الدولة، واستمرارية العطاء. فمن الدرعية إلى الرياض، ومن الأمس إلى الغد، تمضي المملكة بثباتٍ يعكس عمق جذورها وصلابة مواقفها، مؤكدة أن الدول العظيمة لا تُقاس بطول عمرها فحسب، بل بقدرتها الدائمة على التجدد وصناعة المستقبل.