منى السعدي
تُعد منطقة عسير إحدى المناطق الإدارية في المملكة العربية السعودية، وتقع في الجزء الجنوبي الغربي من البلاد، وتتخذ من مدينة أبها مقرًا لإمارتها. وتبلغ مساحتها الجغرافية نحو81,000 كيلومتر مربع، ويقدَّر عدد سكانها بحوالي 2,024,285 نسمة.
يحمل تاريخ عسير عمقًا ثقافيًا متجذرًا، كُتب ببارود الشجاعة، وصُقل بخناجر القوة والشهامة والإرادة، وهو تاريخ لايمكن الاختزال فيه أو الإحاطة الشاملة له، إذ إن أي محاولة للإلمام بكافة تفاصيله تندهش بصلابة أهلها، واعتزازهم بأنفسهم، ورفضهم الخضوع لغيرهم، ما أكسب المنطقة فرادتها التاريخية ومكانتها الخاصة.
وقد ظهر اسم «عسير» بوصفه مصطلحًا سياسيًا وجغرافيًا في أواخر القرن الثاني عشر وبداية القرن الثالث عشر للهجرة، لا سيما في كتابات المؤرخين الغربيين. إلا أن حدوده الجغرافية شهدت تباينًا واضحًا؛ فبينما اقتصرها بعضهم على أبها وما يحيط بها من جبال وتلال، وسّعها آخرون لتشمل مناطق تمتد شمالًا إلى الليث وغامد وزهران وبيشة، وجنوبًا إلى ظهران الجنوب ونجران وجازان. ويُعزى هذا التباين إلى المتغيرات السياسية والعسكرية التي شهدتها المنطقة، حيث امتد نفوذ إمارة أبها في فترات مختلفة إلى نطاقات أوسع، مما جعل التسمية قائمة على البعد السياسي والتاريخي أكثر من كونها توصيفًا جغرافيًا ثابتًا.
بدأ التنظيم الإداري الحديث لإمارة عسير بصدور الأمر السامي الكريم رقم 2/ 4/ 4 وتاريخ 5/ 6/ 1358هـ، المتضمن ترتيبات خاصة ببلاد عسير، والذي شكّل نقطة تحول جعلت الإمارة كيانًا إداريًا منظمًا، يتبع له عدد من المراكز والملحقات ذات الهياكل الإدارية الواضحة، واستمرت التشريعات المنظمة تباعًا في عهد الملك المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، لترسيخ أسس الحكم والإدارة.
وسار أبناؤه الملوك من بعده على النهج ذاته، متخذين من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم منهجًا للحياة ودستورًا للحكم، فكان لذلك أثر بالغ في تحقيق الاستقرار والتنمية، حتى وصلت هذه البلاد المباركة إلى مصاف الدول المتقدمة في مختلف مجالات الحياة.
ولا تزال عسير، كما كانت، مجالًا رحبًا للدراسة والتأمل لاسيما وهي تدخل مرحلة نهضوية جديدة عبر استراتيجية تنموية طموحة تقودها نحو آفاق عالمية بهمة ملك وعزم أمير وطموح مجتمع حيوي لا يعرف التوقف، وقد ارتبطت المنطقة بعمق الذاكرة الخالدة بجمال طبيعتها وكرم أهلها وشهامتهم، حيث تجمع كثير من السعوديين بها علاقة وثيقة منذ الطفولة بوصفها وجهة صيفية محببة للتنزه والاستجمام تمتاز بعذوبة مناخها وشاعرية تفاصيلها.
وينعكس تراث منطقة عسير بأصالته وطابعه الفريد على مظاهر الحياة اليومية من خلال النقوش التي تزين واجهات المباني والطرقات، والمقتنيات، والأواني المنزلية، وقد حظي هذا الإرث باهتمام عالمي بعد إدراج فن النقش المعروف بـ«القط العسيري» ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي في منظمة اليونسكو، كما لا تزال الأزياء الشعبية التي يغلب عليها اللونان الأسود والأحمر مع ما طرأ عليها من تطورات تمثل حضورًا لافتًا في نمط اللباس لدى شريحة واسعة من المجتمع العسيري.
وتقود هيئة تطوير منطقة عسير، برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن طلال بن عبدالعزيز جهودًا تنموية كبيرة في مختلف المجالات، تهدف إلى تحقيق التنمية الإقليمية المتكاملة، وضمان التنسيق الفعال بين الجهات الإنمائية، وتنفيذ مشاريع بنية تحتية عالية الجودة، وتسعى الهيئة إلى تحقيق رؤيتها بأن تكون عسير وجهة عالمية رائدة على مدار العام، تستلهم نموذجًا متوازنًا يجمع بين الأصالة والحداثة، مستندة إلى ما تملكه المنطقة من مقومات طبيعية وثقافية فريدة، من خلال أدوار محورية في التخطيط والتنسيق والرقابة
وفي ظل مستهدفات رؤية السعودية 2030، تمضي عسير بخطى واثقة نحو ترسيخ حضورها كوجهة عالمية مستدامة تستثمر إرثها الثقافي وطبيعتها الفريدة، وتسهم بدور فاعل في التنمية الوطنية الشاملة.