د.علاء الدين محمد كوكانجيري
لا يأتي شهر رمضان بوصفه مجرد زمن عابر ضمن أيام السنة، ولا يقتصر على كونه وقتاً محدداً للعبادات، بل يتجاوز ذلك ليصبح تجربة إنسانية شاملة، تؤثر في وعي الإنسان بالوقت، وفي علاقته بنفسه وجسده وأسلوب حياته اليومي. فمع دخول هذا الشهر، تستمر الحياة في ظاهرها كالمعتاد، لكن الإحساس بالزمن يتغير، ويكتسب الوقت معنى أخلاقياً وروحياً، ولا يعود محايداً كما كان من قبل.
تمر الشهور عادة دون أن تترك أثراً عميقاً في الوعي، أما رمضان فيتداخل مع التجربة الإنسانية ذاتها، ويترك بصمته في السلوك والتفكير معاً. فهو لا ينظم العبادة فقط، بل يبطئ إيقاع الحياة، ويحد من العجلة والإشباع الفوري، ويعوّد الإنسان على الصبر والانتظار والانضباط. في هذا السياق، لا يكون الزمن مجرد إطار للأحداث، بل يصبح أداة للتربية والتقويم.
ومن هنا، لا يمكن النظر إلى الصيام على أنه الغاية النهائية من رمضان، بل هو الوسيلة التي يعاد من خلالها تنظيم العلاقة بين الإنسان وجسده، وبين الرغبات وضوابطها، وبين الحاجة الحقيقية والمبالغة في الاحتياجات. فالصيام يعلم الإنسان كيف يؤخر الاستجابة لرغباته، ويكسر عادة الخضوع الفوري لمطالب الجسد، مما يفتح مجالاً أوسع للتفكير والمحاسبة الذاتية.
ويتميز رمضان بأنه لا يضيف كثيراً إلى تفاصيل الحياة اليومية، بل يقوم بعملية تقليل وتجريد مقصودة، حيث يقل الاستهلاك، ويخف الكلام، ويتباطأ الزمن، مما يسمح للإنسان باكتشاف المعنى في أبسط صوره.
ومن خلال هذا التخفيف، تتراجع سلوكيات اعتادها الإنسان حتى ظنها ضرورية، لتبرز قيم أساسية مثل الانتباه، والامتنان، وضبط النفس.
لذلك، لا يمكن اختزال رمضان في كونه موسماً للإكثار من الأعمال، ولا ساحة لبلوغ نموذج مثالي متخيل، بل هو مساحة إنسانية للمراجعة وإعادة النظر في الذات. إنه توقف واع في مسيرة الحياة، يمنح الإنسان فرصة لطرح أسئلة أساسية عن هويته، ورغباته، وما يبقى من إنسانيته حين تخف سلطة الجسد ويعلو صوت الوعي.
وانطلاقاً من هذه الرؤية، يتناول هذا المقال شهر رمضان لا بوصفه طقساً تعبدياً متكرراً، ولا قيمة أخلاقية جاهزة، بل بوصفه ظاهرة زمنية وسلوكية ومعرفية تعيد تشكيل علاقة الإنسان بالوقت وبذاته وبالمعنى. ففي هذا الشهر، لا يصوم الإنسان وحده، بل يصوم الزمن أيضاً عن حياده المعتاد.
الصيام: تمرد هادئ على الجسد
لا يُفهم الصيام في معناه العميق على أنه حرمان أو قمع، بل هو توجيه رباني يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وجسده. ففي الحياة اليومية، يفرض الجسد حضوره بقوة من خلال الجوع والرغبة والاستجابة السريعة، لكن الصيام يحد من هذه السيطرة دون عنف، في شكل من أشكال التمرد الهادئ.
وهذا التمرد لا يلغي الجسد ولا يعاديه، بل يعيد وضعه في مكانه الصحيح، بحيث لا يكون هو القائد المطلق للسلوك. وبهذا، يصبح الصيام تدريباً على التحكم في الذات، حيث لا يكون الإنسان تابعاً لرغباته بل قادرا على الاختيار بين الاستجابة والامتناع، في إطار الطاعة الواعية لله تعالى.
ويزداد هذا المعنى وضوحاً في زمن تسوده ثقافة الاستهلاك، حيث يعرف الإنسان بما يملك ويستهلك، لا بقدرته على ضبط رغباته. ففي هذا الواقع، تقاس قيمة الإنسان بكمية الإشباع، لا بعمق المعنى. وهنا يأتي الصيام ليعيد الاعتبار للإنسان بوصفه كائناً أخلاقياً، لا أسيراً لغرائزه.
الجوع بوصفه أداة معرفة
لا يظهر الجوع في رمضان كحالة جسدية فقط، بل كوسيلة للوعي والمعرفة؛ فالجوع الاختياري يكشف للإنسان حجم الزوائد التي أثقلت حياته، ويعيده إلى مستوى الحاجة الأساسية، حيث تتراجع الرغبات المصطنعة وتبرز الضرورات الحقيقية.
في هذا المعنى، يصبح الجوع لغة صامتة تخاطب العقل قبل الجسد، وتساعد على صفاء الإدراك.
وقد أشار الإمام الغزالي إلى هذا المعنى حين ربط بين قلة الطعام وصفاء القلب، معتبراً أن الشبع الزائد يضعف الفهم. فالجوع هنا ليس هدفا، بل وسيلة لزيادة الانتباه وتقليل التشويش.
ومن خلال هذه التجربة، يكتشف الإنسان أن السعادة لا تتحقق بالإشباع الدائم، وأن الامتناع المؤقت قد يكون طريقاً لفهم أعمق للحياة. وهكذا يتحول الجوع من مصدر ألم إلى نافذة وعي، ومن معاناة عابرة إلى تجربة تأملية.
الإفطار: لحظة وعي لا مجرد طعام
يمثل الإفطار ذروة التجربة الرمضانية، لا بسبب الأكل، بل بسبب المعنى. فهي لحظة يدرك فيها الإنسان أن النعمة ليست أمراً مسلماً به، وأن الماء والطعام ليسا حقين دائمين، بل عطايا مرتبطة بالإذن والتوقيت.
وفي هذه اللحظة، تتحدد قيمة الشيء بوقته لا بكثرته، فالامتناع هو الذي يمنح اللقمة معناها. وهكذا يتحول الإفطار من عادة يومية إلى موقف وعي، يعيد تشكيل العلاقة مع الرزق ويكسر وهم السيطرة المطلقة على الاحتياجات.
الليل في رمضان: استعادة البصيرة
ليل رمضان ليس امتداداً عادياً للنهار، بل فضاء خاص للهدوء والتأمل. ففي هذا الوقت، يخف ضجيج الحياة، وتتراجع الضغوط، فيتاح للإنسان أن يصغى إلى ذاته بعيداً عن تشويش اليوم.
فالقيام ليس مجرد حركة، بل حالة وعي، والدعاء ليس طلبا فقط، بل اعتراف بالضعف والحاجة. وهكذا يصبح الليل زمناً للأسئلة العميقة، لا للإجابات السهلة، وزمناً لإعادة الاتصال بالمعنى في عالم يكثر فيه الضجيج.
رمضان: ليس شهر الملائكة
بل شهر البشر
لا يقدم رمضان بوصفه زمن الكمال أو صناعة إنسان مثالي، بل هو شهر يخاطب الإنسان بضعفه وأخطائه. فهو لا يشترط الطهارة المطلقة، بل يفتح باب المراجعة والتوبة. لا يقصي المقصر، بل يستوعبه.
رمضان لا يعد بتحول كامل، بل بدفع نحو وعي أصدق. لا يجعل الإنسان ملاكاً، لكنه يساعده على أن يكون أقل قسوة، وأكثر انتباهاً، وأدق وعياً بأفعاله. أنه شهر لترميم الإنسان، لا لإعادة خلقه.
يتضح من هذا كله أن رمضان ليس مجرد مجموعة عبادات، بل تجربة زمنية متكاملة، تعاد فيها صياغة العلاقة بين الإنسان والزمن والجسد والمعنى. فالصيام والجوع والإفطار والليل ليست عناصر منفصلة، بل أجزاء من تجربة واحدة، تبطئ العجلة وتوقظ الوعي.
وبهذا المعنى، يصبح رمضان زمناً نوعياً لا يقاس بعدد الأيام، بل بعمق الأثر الذي يتركه في التفكير والسلوك. أنه شهر يصوم فيه الزمن عن حياده، ويستعيد معناه.
فنجاح رمضان لا يقاس بانقضائه، بل بما يبقى منه في حياة الإنسان بعده، في نظرته إلى نفسه والعالم. أنه شهر لا ينهي الأسئلة، بل يعيد طرحها بصدق وتواضع، ليقترب الإنسان أكثر من غاية العبادة: أن يكون أصدق مع نفسه، وأرفق بجسده، وأقرب إلى إنسانيته في طاعة ربه.
** **
محاضر في قسم الماجستير والبحوث للغة العربية - كلية السنية العربية، كاليكوت، الهند