السفير متلم ميرزاييف
تتمتع تقاليد التخطيط العمراني والعمارة في جمهورية أذربيجان بإرثٍ تاريخي عريق يمتد لقرون طويلة، حيث لعبت المعالم المعمارية القيّمة دورًا محوريًا في صياغة الهوية المميّزة لمدنها الكبرى الواقعة على طريق الحرير، والتي شكّلت عبر التاريخ مراكز حيوية للتجارة والحِرَف والثقافة، وأقامت علاقات اقتصادية وسياسية وثقافية وثيقة مع بلدان الشرق.
تُجسّد المدن التاريخية في أذربيجان نماذج بارزة لفن التخطيط العمراني والعمارة، إذ شهدت عبر مختلف الحقب تطوّرًا متواصلًا واتساعًا متوازنًا، مع حفاظها في الوقت ذاته على الخصائص الجوهرية للثقافة المحلية، ما جعلها شواهد حيّة على التفاعل الخلّاق بين الأصالة والتجديد.
وتعكس القلاع الدفاعية، والخانات التجارية، والمساجد، والمعابد، والأضرحة الخاضعة لحماية الدولة في مختلف أنحاء البلاد، ثراء التقاليد المعمارية الوطنية. ومن بين أبرز الآثار ذات الأهمية العالمية ضريح مؤمنة خاتون، وجسر خداآفرين، ومجمّع «أتشقاه»، إلى جانب نماذج فريدة أخرى تحوّلت إلى رموز راسخة للعمارة الأذربيجانية.
كما تحتلّ الكنوز المدرجة في قائمة التراث العالمي لليونسكو مكانة مرموقة في سجلّ العمارة الأذربيجانية على الصعيد الدولي، وفي مقدمتها المدينة الداخلية «إيتشري شهر»، ومجمّع قصر الشروانشاهيين، وبرج العذراء، فضلًا عن المركز التاريخي لمدينة شكي وقصر الخان، وهي معالم تجسّد عمق الثقافة الحضرية في العصور القديمة والوسطى.
يُعد الإرث الإبداعي للمعماري البارز عجمي نخجواني ذروة المدرسة المعمارية في عصره، إذ أسهمت أعماله في تشكيل ملامح العمارة في أذربيجان وبلدان الشرق الأدنى خلال العصور الوسطى، وقد أدرج اسمه ضمن قائمة الشخصيات العالمية التي احتُفل بذكراها في إطار اليونسكو.
ومنذ منتصف القرن التاسع عشر بدأت التحوّلات التدريجية في البنية التخطيطية والطراز المعماري لمدن أذربيجان، حيث اكتسبت مدينة باكو، في ظل تسارع وتيرة التصنيع، مظهرها الفريد القائم على توازنٍ متناغم بين الأصالة والحداثة، جامعًا بين عناصر العمارة الشرقية والغربية.
وخلال القرن العشرين، أُولي اهتمام خاص بتوظيف التقاليد الوطنية بصورة إبداعية في مشاريع التخطيط العمراني، ما أسفر عن إعادة بناء عدد من المدن وظهور أساليب معمارية جديدة قادها معماريون بارزون، من بينهم ميكائيل حسينوف وصادق داداشوف، الذين أسهموا في ترسيخ مدرسة معمارية حديثة مستندة إلى الهوية الوطنية.
وشكّلت المرحلة التي تولّى فيها الزعيم الوطني حيدر علييف قيادة الجمهورية محطة مفصلية في مسار التخطيط العمراني والعمارة، إذ اتُّخذت خلالها قرارات استراتيجية للحفاظ على المدن التاريخية وأنظمتها التخطيطية المتكاملة، إلى جانب تنفيذ برامج منهجية لترميم المعالم المعمارية وإنشاء مؤسسات وهيئات متخصصة ضمنت استمرارية العمل العمراني والمعماري.
وعقب استعادة الاستقلال، برزت ملامح جديدة في المشهد العمراني من خلال إنشاء مجمّعات ومبانٍ حديثة تعكس أحدث التوجّهات المعمارية العالمية مقرونة بالخبرات الوطنية. وشهدت العاصمة باكو إثراءً لملامحها العمرانية بإنجازات معمارية بارزة، من بينها مركز حيدر علييف، وأبراج اللهب، ومشروع «المدينة البيضاء»، ما أسهم في إبراز صورة حضرية معاصرة تعكس روح التجديد والانفتاح.
ولا تزال مسألة تحقيق التنمية المتوازنة بين العاصمة والمناطق، وتعزيز الاستقرار العمراني المستدام، ومواءمة السياسات الوطنية مع أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، تمثّل ركائز أساسية في الاستراتيجية الاجتماعية-الاقتصادية لجمهورية أذربيجان وفي أولويات أنشطة التخطيط العمراني والعمارة.
وفي سياق إعادة الإعمار في الأراضي التي تعرّضت للتخريب خلال عقود الاحتلال، أظهرت المشاريع العمرانية المنفَّذة عقب النصر في حرب الوطن رؤية شاملة للدولة تجاه البناء الحضري الحديث. وضمن برنامج «العودة الكبرى»، أُعلنت تلك المناطق «مناطق طاقة خضراء»، وخلال الأعوام 2020 - 2025 أُعدّت وثائق التخطيط لأكثر من مائة مستوطنة سكنية، بما في ذلك اثنتا عشرة مدينة، وبدأت أعمال البناء على نطاق واسع. ويُعد إحياء مدينة شوشا، عاصمة الثقافة في أذربيجان، واستعادة بيئتها المعمارية وصورتها التاريخية، تجسيدًا للإرادة الوطنية في صون الهوية الثقافية.
على الصعيد الدولي، تُعد أذربيجان شريكًا موثوقًا في معالجة التحديات العالمية المرتبطة بتغيّر المناخ والتخطيط العمراني، من خلال مبادرات مشتركة مع برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (موئل الأمم المتحدة (UN-Habitat وتنظيم منتديات وطنية ودولية متخصصة. كما يعكس قرار استضافة مدينة باكو للدورة الثالثة عشرة للمنتدى الحضري العالمي (WUF13) عام 2026 المكانة المتنامية للبلاد في مسار التخطيط العمراني المستدام عالميًا.
وانطلاقًا من الحرص على صون التقاليد العريقة لثقافة التخطيط العمراني والعمارة في أذربيجان، وتوسيع نطاق تطبيق المقاربات التقدمية القادرة على مواكبة التحديات الحديثة في هذا المجال، أُعلن عام 2026 في جمهورية أذربيجان «عام التخطيط العمراني والعمارة»، في خطوة تعكس التزام الدولة بتعزيز الهوية المعمارية الوطنية وترسيخ أسس التنمية الحضرية المستدامة.
** **
- سفير جمهورية أذربيجان بالرياض