د. عبدالرحمن بن حسين فقيهي
ليس رمضان شهرًا عابرًا في الروزنامة الإسلامية، بل هو محطة إيمانية تتجدد فيها علاقة العبد بربه، ويُعاد فيها ترتيب الداخل قبل الخارج. وقد اختصر القرآن غاية الصيام في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]. فالغاية المعلنة ليست الجوع، ولا العطش، بل التقوى؛ أي حضور رقابة الله في السر والعلن.
غير أن التأمل في واقعنا الرمضاني يكشف أحيانًا عن مفارقة مؤلمة؛ إذ تتحول بعض الممارسات إلى طقوس ظاهرية تفقد اتصالها بالمقصد الشرعي. يتوسع الناس في الموائد حتى يضيع من الطعام ما لو وُزّع لكان كافيًا لأسر كاملة، مع أن الله سبحانه يقول: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} [الأعراف: 31].
والإسراف ليس مجرد سلوك اقتصادي خاطئ، بل خلل في فهم نعمة الرزق، ونقيض لروح الصيام التي جاءت لتكسر حدّة الشهوة لا لتؤجلها ساعات. وليس المقصود التقليل من شأن تفطير الصائمين؛ فهو من أعظم أبواب الخير، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من فطّر صائمًا كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء» (رواه الترمذي). لكن الخير إذا انفصل عن الحكمة انقلب إلى صورة بلا روح. المقصود أن يكون التفطير إكرامًا، لا استعراضًا؛ سدًّا لحاجة، لا مباهاة بالكثرة.
إن الصيام الذي لا ينعكس على أخلاق الصائم صيام ناقص المعنى، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (رواه البخاري).
فالقضية ليست في الامتناع عن المفطرات الحسية فقط، بل في تهذيب الجوارح واللسان والقلب. كم من صائم أمسك عن الطعام وأطلق لسانه في أعراض الناس! وكم من قائم أطال الصلاة ولم يُقصِّر خصومة أو يطفئ شحناء! ورمضان شهر القرآن قبل كل شيء؛ قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185]. فالعودة إلى القرآن ليست تلاوة صوتية فحسب، بل تلاوة تدبّر وتغيير. كان السلف إذا دخل رمضان أقبلوا على المصحف إقبال العطشان على الماء، لأنهم أدركوا أن القرآن ليس زينة موسم، بل مشروع إصلاح دائم.
ومن المقاصد العظمى كذلك إشعار الإنسان بضعفه، وتذكيره بحال المحتاجين، حتى تنكسر فيه نزعة الترف، ويستيقظ فيه خلق الرحمة. قال صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن» (رواه أبو داود والترمذي). فالصيام يُراد له أن يصنع قلبًا رقيقًا، لا معدة فارغة فحسب. إن أخطر ما يهدد روح رمضان أن يتحول إلى عادة اجتماعية مكررة؛ مواسم تخفيضات، وجداول سهر، وتنافس في مظاهر الاستهلاك، بينما يُؤجَّل جوهر التزكية. الصيام عبادة سرّية بين العبد وربه، كما في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» (متفق عليه).
فإذا غلبت عليه روح الإعلان والمباهاة، فقد خالف سرّ اختصاصه. نحن لا نحتاج في رمضان إلى مزيد من الضجيج، بل إلى مزيد من الصدق. لا إلى تضخيم موائدنا، بل إلى تعميق خشوعنا. لا إلى رسائل عاطفية تُغرق الشهر في الحزن، بل إلى وعيٍ يُعيد له صورته الحقيقية: موسم فرح بالطاعة، وميدان سباق في الخير، وفرصة تصحيح قد لا تتكرر.
سيأتي رمضان كل عام، لكن السؤال: هل سنأتيه كل عام بالروح ذاتها؟ أم سنبقى نكرر المظاهر ونفوّت المقاصد؟