أحمد بن محمد الغامدي
مع إشراقة هلال شهر رمضان المبارك من كل عام، تتطلع قلوب أكثر من مليار ونصف المليار مسلم نحو السماء، يحدوها الأمل في صيام موحد يجسد وحدة الأمة وقوتها، إلا أن المشهد الذي شهدناه هذا العام من انقسام وتفاوت في تحديد غرة الشهر الفضيل بين الدول العربية والإسلامية، يعيد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا متجددًا: لماذا لا يكون للعالم الإسلامي مرصد موحد يضبط بدايات الشهور القمرية، ويجمع الكلمة على قرار واحد؟
شهدنا هذا العام كما في كل عام، اختلافًا واضحًا بين دول أعلنت الصيام يوم الأربعاء، وأخرى أعلنت الخميس أول أيام الشهر الفضيل، ولم يكن هذا التباين مجرد اختلاف فلكي عابر، بل تحول إلى حالة من الجدل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وطرح تساؤلات حول أسباب استمرار هذا التفاوت رغم التقدم العلمي الكبير في مجال رصد الأهلة والحسابات الفلكية الدقيقة، وبينما لكل دولة مرجعيتها الشرعية، فإن وحدة الشعور الإسلامي تظل مطلبًا يتجاوز الحدود.
إن المطالبة بوجود مرصد إسلامي موحد، مقره المملكة العربية السعودية، وتحديدًا تحت مظلة منظمة التعاون الإسلامي، لم تعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة عملية، فالمملكة بما لها من مكانة دينية راسخة، واحتضانها للحرمين الشريفين، وبما تمتلكه من إمكانات علمية وتقنية متقدمة، مؤهلة لقيادة هذا المشروع الجامع، مرصد إسلامي موحد يعتمد على لجان شرعية وفلكية مشتركة، ويصدر قراراته بشفافية ووضوح، من شأنه أن يضع حدًا للاجتهادات المتفرقة، ويعزز الثقة في إعلان بدايات الشهور والمناسبات الدينية الكبرى.
كيف نتحدث عن أمة واحدة، وقلوب تتجه إلى قبلة واحدة، بينما تختلف أيام صيامنا وأعيادنا؟ إن الطبيعي أن يصوم العالم الإسلامي خلف قبلته، الكعبة المشرفة، وأن يكون القرار منطلقًا من جوارها، حيث تتوحد الصفوف خمس مرات في اليوم في صلاة واحدة، ونداء واحد، واتجاه واحد، لا نقصد هنا إلغاء الاجتهادات الفقهية، أو تجاهل اختلاف المطالع الذي قال به بعض العلماء، بل نرى البحث عن صيغة توافقية تجمع بين الأصالة الشرعية والدقة العلمية، وتقدم مصلحة وحدة المسلمين على أي اعتبار آخر.
ومع كل ما يثار من جدل، يبقى شهر رمضان في المملكة تجربة إيمانية فريدة في رحاب الحرمين الشريفين، حيث تتعانق أصوات المصلين مع تلاوات الأئمة، وحيث تمتد موائد الإفطار بسخاء يعكس روح التكافل، يتجسد المعنى الحقيقي للشهر الكريم. في مكة المكرمة والمدينة المنورة، يشعر المسلم أنه يعيش لحظة استثنائية تتجاوز الزمان والمكان، حيث الطمأنينة تسكن القلوب، والسكينة تغمر الأجواء.
رمضان في المملكة ليس مجرد أيام صيام، بل موسم عبادة وطمأنينة ووحدة، ومن هنا، فإن الأمل يظل قائمًا في أن تتوحد كلمة المسلمين يومًا ما في صيامهم وأعيادهم، كما تتوحد قلوبهم في الدعاء عند الكعبة المشرفة، وأن يصوم المسلمين حول العالم خلف قبلتهم.