عبدالكريم بن دهام الدهام
في مثل هذا الشهر الكريم، قبل أحد عشر عاماً، أُسدل ستار حكاية لم تكن عادية.
حكاية رجل لم يكن أميراً على الورق فحسب، بل كان قلباً نابضاً في صدور الناس، ووجهاً مألوفاً في طرقاتهم، وصوتاً دافئاً يسبق هيبة المنصب.
نستذكر رحيل الأمير عبدالله بن عبدالعزيز بن مساعد بن جلوي بن تركي بن عبد الله آل سعود، أمير منطقة الحدود الشمالية، الذي لم يكن مجرد مسؤول يدير منطقة، بل كان أباً لبيوتها، وأخاً لأهلها، وصديقاً لكل من طرق بابه.
حين جاء خبر وفاته، لم يكن مجرد نبأ عابر في نشرات الأخبار، بل كان صدمة اجتاحت القلوب.
في عرعر، بدت الشوارع يومها مختلفة، صامتة أكثر مما ينبغي، وكأن المدينة نفسها تبكي. رجال كبار في السن مسحوا دموعهم خفية، وشباب تحدثوا عنه كما يتحدث الابن عن والده، ونساء دعون له كما يُدعى لقريب عزيز.
ستون عاماً ليست مدة خدمة إدارية، بل عمر كامل من العِشرة، ستون عاماً وهو يتفقد الطرق، ويسأل عن المدارس، ويزور المرضى، ويشارك الناس أفراحهم وأحزانهم، لا يكتفي بالتقارير، بل يفضّل أن يرى بعينيه ويسمع بأذنيه.
كان يعرف الوجوه، والأسماء، وحتى القصص الصغيرة التي لا يلتفت لها أحد، كان يقول لهم ببساطته المعهودة: «مكتبي مثل الدكان، مفتوح لكم على مدار الساعة»، ولم تكن عبارة للاستهلاك الإعلامي. كان الناس يدخلون عليه بلا تكلف، بلا حواجز، بلا رهبة، يدخل الفقير قبل الغني، وصاحب الحاجة قبل صاحب الوجاهة، ذلك المكتب لم يكن مكتب حاكم، كان مجلس أب.
ولأن القلوب الكبيرة لا تضيق بالخير، كان للأمير عبدالله يد بيضاء في كل زاوية من المنطقة، كان -رحمه الله- ينحر في كل رمضان العشرات من الإبل ويوزعها على الفقراء والمساكين.
مساجد وجوامع قامت، حلقات تحفيظ قرآن دعمت، جمعيات خيرية ساندت، وأسر كثيرة وجدت في عطائه حياة كريمة.
حتى في أيامه الأخيرة، انتشرت صوره وهو يوزع المال بيده على المحتاجين في الشوارع، بلا عدسات رسمية ولا مواكب، كأنه كان يودعهم بطريقته الخاصة، يترك في كل يدٍ لمسة، وفي كل قلب ذكرى.
وقبل الحدود الشمالية، خدم منطقة القصيم أميراً لها لمدة عشر سنوات، فترك فيها الأثر ذاته: إنسان قبل أن يكون مسؤولاً.
كان من ذلك الجيل الذي فهم الحكم على أنه أمانة، لا سلطة، خدمة، لا وجاهة، وقرب من الناس، لا مسافة بينهم وبينه.
أحد عشر عاماً مرّت، لكن اسمه ما زال يُذكر في المجالس كما لو أنه غادر بالأمس، كل مشروع تنموي، كل مسجد يرتفع أذانه، كل شارع يحمل ذكرى زيارته يشهد له. بعض الرجال يمرّون مروراً عابراً في المناصب، وبعضهم يتحوّلون إلى تاريخ، أما الأمير عبدالله، فقد تحوّل إلى دعاء، دعاء أمٍ كانت تنتظر معونته، ودعاء يتيم مسح على رأسه، ودعاء منطقة بأكملها أحبته كما يحب الأب.
رحمك الله يا أبا خالد، كنت للأرض ظلاً، وللناس قلباً، وللحدود الشمالية روحاً، وغبتَ جسداً، لكن أثرك ما زال يمشي بيننا.