خالد محمد الدوس
الموت حق.. ومن المؤلم أن يفارقنا إنسان عزيز على قلوبنا، نحبه كثيراً ونستشعر بألم الفراق به حين تختفي بسمته، وتتوقف ضحكته، ونفقد كلماته الحلوة، وتغيب جلساته التي تبث روح السعادة في النفوس والوجدان. فيغادرنا في حضرة الموت، أو الزائر الأخير.. هادم اللذات، ومفرق الجماعات..! دون سابق إنذار من دار الفناء، إلى دار البقاء.
فلا عجب إذاً أن الموت هو الحقيقة التي تقف أمامها البشرية عاجزة عن الهروب منه، وكما قال الله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} (78) سورة النساء.
في صباح يوم الأربعاء الموافق 16-8-1447 تلقيت خبر وفاة الأخ الفاضل (علي بن إبراهيم الحسين) عن عمر 64 عاماً تغمده الله بواسع رحمته.
فكان يوما من الأيام الثقيلة حين ودعت (حوطة سدير) أحد أبنائها البرّرة.. وودعت معه صفحات مشرقة من صفحات العطاء الإنساني والأخلاق الإسلامية الرفيعة.. رحل عن دنيانا الأخ العزيز على القلب (علي الحسين) ولكن سيرته العطرة وسمعته النّيرة بقيت نبراسا يضئ الطريق لكل من عرفه عن قرب أو اقترب من نبعه الصافي.. لطالما كان -فقيدنا الغالي- مثالا نادرا للشخصية المتوازنة التي جمعت بين الأصالة والمعاصرة، وبين الالتزام الديني، والتوازن القيمي الاجتماعي.. فقد نشأ الغالي أبو عبد الله في كنف اسرة عريقة عُرفت بالصلاح والتقوى، فوالده الشيخ إبراهيم بن علي الحسين -رحمه الله تعالى- كان من كبار أهالي الحوطة المعرفين وكان مثالا يحتذى به في الورع والزهد وحب الخير والإحسان.. وقد قضى (40 عاماً)، إماماً لأحد المساجد في حوطة سدير.. وهذا المنبع الصافي كان له الأثر العميق في تشكيل شخصية أخي الراحل (أبو عبد الله)، فسار على نهج والده الديني والقيمي والتربوي. وقد عرف عنه (برّه بوالديه) تلك العبادة العظيمة التي جعلها الله قريناً لتوحيده والتي تجلت في حياة الفقيد في أبهى صورة ،فلم يكن برّه بهما مجرد كلمات عذبة أو نظرات حانية.. بل كان سلوكا يوميا ونهج حياة.
فحين نتحدث عن أخلاقه التي شهد لها القريب والبعيد فحدث ولا حرج كان -رحمه الله تعالى- رجلا فاضلا موسوما بالخلق العالي الذي لا يعرف التصّنع ولا المجاملة الزائفة، من عرفه عن قرب أدرك معنى الرجولة الحقة والشهامة والاصالة، فكان - رحمه الله تعالى- طلق المحيا بشوش الوجه، لا يلقى أحد إلا وابتسم في وجهه كأنه يقابله بعد طول غياب..! منطلقا من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه: قال -قال رسول الله صلى الله وعليه وسلم (تبسمك في وجه أخيك صدقة) رواه الامام الترمذي. وهذه الابتسامة العفوية الصادقة كانت منهج حياة لفقيدنا الغالي (أبو عبد الله).. ومتأصلة في شخصيته المهذبة، كانت مفتاح القلوب فدخل بها نفوس الكثيرين من الأحباب والاقارب والاصحاب دون استئذان.
نعم، كان صاحب خلق رفيع وابتسامة عفوية دائمة.. نقي السريرة، ونظيف القلب الذي كان يتسع حبا للجميع بقيمه التربوية الفضيلة ومبادئه الأخلاقية الأصيلة.. اكتسبت شخصيته المتزنة وروحه الاجتماعية العالية حُب الأقارب والأحباب وكل من عرفه عن كثب، لأنه كان -رحمه الله- يؤمن بمبدأ (ليس من الحكمة صناعة الاعداء)..! فكان بطيبته المتناهية وسلامة قلبه الطاهر يتجاهل.. ويسامح.. ويتنازل.. ويبتسم من أجل حبل المودة حتى مع أولئك الذين اختلف معهم في وجهات النظر..!
ولا غرو من ذلك، فقد نهل أخي الراحل (أبو عبد الله) من مدرسة والده الشيخ «إبراهيم بن حسين» -رحمه الله- العلوم التربوية والدينية والاجتماعية التي انعكست على بناء شخصيته البناء الأخلاقي والتربوي الأصيل والتنشئة الاجتماعية السليمة.
ففي جانبه الاجتماعي الذي اتفق الجميع على محبته كانت قيمه الاجتماعية الاصيلة المتمثلة في مساعدة الاخرين، وحب الإحسان والبذل وتسهيل الأمور عليهم، وإكرام زواره وضيوفه في جوانب عدة بكل نقاء ووفاء ونبل وشهامة.. فكانت هذه القيم الاجتماعية الفضيلة منهج حياة له وليست مجرد شعارات ترفع في المناسبات.
غرف عن أبي عبد الله -رحمه الله- تعالى حرصه الشديد على صلة الرحم والتواصل مع أقاربه فلم يكن يدخر جهدا في السؤال عن أقاربه والأصدقاء يشد من آزرهم في الشدة، ويشاركهم الفرح في السعادة، كان رحمه الله تعالى كالغيث أينما حل نفع، وكالنسمة الباردة أينما مّر هبت معه السكينة والطمأنينة.
في مجالس حوطة سدير واجتماعات أهاليها كان ذكره مقرونا بالخير والمعروف والسمعة الطيبة، وفي حل المشكلات الاجتماعية والأسرية كان صاحب رأي سديد وحكمة بالغة، لقد استحق فقيدنا المحبوب أبو عبد الله وبجدارة أن توصف سيرته بالنموذجية فهو ذلك الإنسان الذي إذا غاب عن المجلس (افتقدته) القلوب قبل العيون، واذا حضر أضاء المكان بحضوره.. ولا غرابة من ذلك لأن تعامله الراقي مع الناس كان قائما على الاحترام المتبادل والثقة المطلقة فلم يعرف عنه إلا كل خير.
إن رحيل أمثال الأخ الفاضل (أبو عبد الله) هو خسارة لا تعوض في حوطة سدير؛ فالدنيا لا تفقد بموتهم مجرد أشخاص عاديين، بل تفقد أيقونات إنسانية نادرة، وقيماً أخلاقية باتت في هذا الزمن عملة صعبة.
رحل فقيدنا الغالي «علي الحسين» جسدا وبقى الأثر.. وبقيت الذكرى الطيبة التي ستظل محفورة في وجدان كل من عرفه.
اللهم اغفر له وارحمه وأبدله دارا خيرا من داره، واجعل قبره روضة من رياض الجنة.. و{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.