أحمد آدم
ترامب يرى أن الخوف من العصا هو المحرك الوحيد لتنفيذ إستراتيجيته متجاهلاً أن الشعوب والأنظمة قد تختار المواجهة أو الثورة أحياناً بدلاً من الإهانة العلنية. تغيير هذه الرؤية بتقديم جزرة بجانب العصا ستستعيد معه أمريكا بريقها ويستطيع ترامب ضمان ترتيب جزيرته الحصينة بالأمريكيتين بكل هدوء.
أولاً : الأهداف المهمة لترامب في البداية نلخصها في:
(أ) إحداث تغيير جذري في النظام العالمي لخدمة المصالح الأمريكية والحد من نفوذ الصين بتحكمها في معادن مهمة للتكنولوجيا الحديثة فقد تم توقيع «اتفاقية الموارد المعدنية» رسميًا بين الولايات المتحدة وأوكرانيا في 30 ابريل من عام 2025 بواشنطن وصدق عليها البرلمان الأوكراني في 9 مايو 2025 بأغلبية ساحقة. وتمنح الاتفاقية الولايات المتحدة أولوية الوصول وحق الرفض الأول للاستثمار في استخراج المعادن الحيوية والنادرة (مثل الليثيوم، التيتانيوم، اليورانيوم) بالإضافة إلى النفط والغاز.
(ب) السيطرة على الممرات التجارية الهامة ما يمكن ترامب من أن يحد من قدرات الصين التجارية وانصاعت له بنما ويطالب الآن الحكومة الدنماركية باستعادة جرينلاند.
(جـ) استعادة الشركات الأمريكية لسيطرتها على السوق الداخلية بفرض رسوم وبشكل تصاعدي على واردات أمريكا من عدة دول أهمها الصين وكذا على صناعات بعينها مثل صناعة الحديد والصلب والسيارات، فقد شهد السوق الأمريكي تغيرات كبيرة فقد فقدت الشركات الأمريكية سيطرتها الكاملة على السوق الداخلية وتواجه الشركات الأمريكية منافسة متزايدة من الشركات الأجنبية منذ عدة عقود.
(د) فرض الأمن وأن يشعر المواطن الأمريكي بالأمان فقد وقع ترامب على أوامر تعلن الهجرة غير الشرعية على الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك حالة طوارئ وطنية. وتصنف العصابات الإجرامية منظمات إرهابية. وتستهدف الجنسية التلقائية للأطفال المولودين في الولايات المتحدة لمهاجرين غير شرعيين وقد استطاع ترامب خلال العام الماضي ان يحدث «تقليص تاريخي» في أعداد المهاجرين مع تدقيق أمني مغلظ.
كما تبنى ترامب سياسة توسعية لحظر السفر تشمل عشرات الدول تحت ذريعة «الأمن القومي وعدم كفاية المعلومات». كما ألغى الرئيس الأمريكي قرار رفع كوبا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
إستراتيجية ترامب في قراراته التي تتعلق بالداخل الأمريكي تعتمد على أن يحوذ على ثقة المواطن الأمريكي حتى يتمكن من تنفيذ استراتيجيته بشكل سريع ويعتمد ترامب في ذلك على:
- نجاح مبادرات خفض الإنفاق الحكومي وحتى المساعدات الأمريكية العسكرية وبشكل كبير فقد قام وزير دفاع أمريكا باستقطاعات من ميزانية الدفاع التي تعتبر الأكبر في العالم وتنفق أمريكا ترليون دولار تقريبا سنويا لذا فهو يعمل على تهدئة الصراع في كافة المناطق الهامة في العالم بهدف تخفيض النفقات العسكرية.
- العمل على خفض أسعار النفط العالمية لأن ذلك سيؤدي إلى خفض أسعار الوقود داخل أمريكا وهو أمر يخفف الضغط على باقي الأسعار داخل أمريكا ويؤدى إلى رضا المواطن الأمريكي مما يعطيه أريحية هو وإدارته في تنفيذ إستراتيجيته الخارجية والداخلية.
- وفي مجال الهجرة غير الشرعية تغيرت السياسة الأمريكية بقيادة ترامب بقوة نحو ترحيل المهاجرين غير الشرعيين وتشديد إجراءات ملاحقتهم، وقد كان ذلك وعداً انتخابياً أساسياً قدمه ترامب للأمريكيين.
كانت هذه الإستراتيجية هي ما وضحت لنا في البداية الا أن الامور اشتعلت في الداخل والخارج على حد سواء ولم تسر كما توقعها الكثير من المتابعين.
ثانياً: اشتعال حرائق روما
شخصية ترامب التصادمية مع شيزوفرنياه الخاصة أشعلت النيران في الداخل الأمريكي بشكل غير مسبوق مما أدى لغرق أمريكا داخليا في انقسامات قد تكون وجودية لكثير من المتابعين.
- في البداية تزايد الجدل حول أحقية الرئيس ترامب في الترشح لولاية ثالثة وهو ما واجه رفضاً من بعض القاضيات في المحكمة العليا. هذا التوتر السياسي امتد إلى الشوارع حيث شهدت مدن مثل لوس أنجلوس احتجاجات واسعة للمهاجرين تحولت إلى أعمال شغب ومواجهات عنيفة مع قوات الحرس الوطني التي أرسلها الرئيس واصفاً المتظاهرين بـ»العصابات العنيفة».
وفي ذروة هذا المشهد وقعت الحادثة الأكثر دلالة على مدى التدهور الداخلي اذ تم اغتيال تشارلي كيرك الناشط اليميني المقرب من ترامب. هذه الحادثة هزت الأوساط السياسية والإعلامية وأعادت للأذهان سلسلة الاغتيالات السياسية التي شهدتها البلاد في الماضي ما يؤكد أن العنف أصبح أداة في صراع تجاوز كل الحدود. وفي إشارة رمزية إلى هذا التحول كان ترامب قد أصدر قراراً بتغيير اسم وزارة الدفاع إلى «وزارة الحرب» وهو ما أثار جدلاً واسعاً حول دلالاته العنيفة وتداعياته على سياسة أمريكا الداخلية والخارجية.
- وقد بلغت الأمور ذروتها بالداخل الأمريكي بتحولها إلى رفض شعبي واسع حيث خرجت ملايين الأصوات في أكثر من 2700 موقع عبر الولايات الخمسين رفضاً لما يرونه استبداداً ثم بعدها شهدنا تهديد ترامب بالتدخل في الشؤون الداخلية لمدينة نيويورك.
- غرقت واشنطن في إغلاق حكومي فيدرالي رسمي في أكتوبر 2025 نتيجة للخلافات الحزبية الحادة حول تمرير قوانين الإنفاق مما أدى إلى توقف مئات الآلاف من الموظفين عن العمل وشل القطاعات غير الأساسية. وقد وافق مجلس النواب الأمريكي (الذي يسيطر عليه الجمهوريون بأغلبية بسيطة) مساء الأربعاء 12 نوفمبر 2025 على حزمة التمويل المؤقت التي أقرها مجلس الشيوخ لإنهاء الاغلاق الحكومي الذي استمر 43 يومًا، بدءًا من 1 أكتوبر 2025 ليكون بذلك أطول إغلاق في تاريخ أمريكا. وسيتوفر التمويل لمعظم الوكالات الفيدرالية حتى تاريخ 30 يناير 2026. والإغلاق الأخير لم يؤد فقط إلى أزمة اقتصادية بل فاقم من أزمة ثقة حادة لدى الناخبين المستقلين الذين ينظرون إلى الجمود السياسي باعتباره فشلاً في الإدارة وهذا يعنى ان التجديد النصفى للكونجرس يمكن أن يغل يد ترامب فيما لو لم يحصل على مقاعد بنسبة عالية وهو ما يعني استمرار المشاكل بالداخل الأمريكي.
- كل هذه الأحداث أشارت وبوضوح إلى دخول أمريكا في مرحلة من عدم الاستقرار السياسي وما حدث ساهم في خفوت ضوء أمريكا كقوة منفردة تدير العالم هذا الضوء الذي كان ساطعا وخفته ترامب في أقل من عام. فلم تعد فوضى إدارة ترامب مجرد تحليلات في الصالونات السياسية بل تحولت إلى دماء تسيل في الشوارع الأمريكية. وما شهدته ولاية مينيسوتا من اعتداءات صارخة للشرطة على مواطنين عزل وما تبعه من تفجر للمظاهرات في مختلف الولايات ليس إلا عرضاً لمرض عضال أصاب الجسد الأمريكي تحت قيادة ترامب.
- عندما أعلن ترامب عن أكبر عملية ترحيل في التاريخ كاليفورنيا (الأكبر في ايواء اللاجئين) أعلنت رسمياً أنها لن تتعاون مع السلطات الفيدرالية وهذا الصدام الدستوري قد يدفع الولاية لإعلان «السيادة» على شؤونها الداخلية. وكاليفورنيا تساهم بنصيب الأسد في الناتج المحلي الأمريكي وإذا نفذ ترامب تهديده بقطع التمويل الفيدرالي عنها عقاباً لها فسيكون رد فعلها المنطقي هو التوقف عن إرسال الضرائب الفيدرالية لواشنطن (التي تتجاوز 560 مليار دولار سنوياً) لتغطية برامجها المحلية بشكل مستقل.
كما أن حاكم كاليفورنيا «غافين نيوسوم» يقود جبهة رفض لعمليات الترحيل الجماعي وترامب هدد صراحة بـ»اعتقاله» بتهمة عرقلة إنفاذ القانون الفيدرالي. هذا التهديد قد يكون الشرارة لتمرد رسمي من الولاية ضد الاتحاد وهو «انفصال مالي» فعلي يسبق الانفصال السياسي. فمخطط ترامب الذي يتبعه (مشروع 2025) يهدف لتفكيك الدولة العميقة وتركيز السلطة في البيت الأبيض وهو ما تراه ولايات مثل (كاليفورنيا، واشنطن، وأوريجون) تهديداً مباشراً لنمط حياتها وقوانينها المحلية.
- ترامب بدأ يلوح علانية باستخدامه لقانون التمرد وهذا القانون هو «الخيار النووي» محلياً لأنه يمنح الرئيس سلطة نشر القوات العسكرية (الجيش) داخل المدن الأمريكية لقمع ما يراه عصياناً متجاوزاً بذلك حكام الولايات.
واستخدام الجيش ضد المدنيين الأمريكيين هو الخط الأحمر الذي يخشاه الجنرالات في البنتاغون وهناك تململ كبير داخل «وزارة الحرب» (البنتاغون سابقاً). وهناك تصريحات لمسؤولين عسكريين سابقين وحاليين يؤكدون أن «ولاء الجيش هو للدستور وليس لشخص الرئيس «وبعض القادة العسكريين المتقاعدين (مثل الجنرال جيفري بوكانان) حذروا من أن هذا التوجه سيقسم الجيش إلى «جنرالات ترامب» و»جنرالات الدستور»، مما يعني انهيار تماسك المؤسسة العسكرية. حاكم مينيسوتا وصف تهديدات ترامب بأنها «حملة انتقامية» ضد شعبه.
والمتظاهرون الآن وبدعم من شخصيات سياسية وقانونية يرون في هذا التهديد إثباتاً لأن ترامب لم يعد يسيطر على القوى التي أطلقها وأصبح لا يجد سبيلاً إلا القمع العسكري. وإذا أقدم ترامب على هذه الخطوة فقد تكون هي الشرارة التي قد تشعل الشارع الأمريكي في أغلب الولايات وتطلق مظاهرات الغضب وهو ما يعرض السلم الأهلي والوحدة الوطنية لخطر الانهيار.
عندما نبحث في تاريخ روما القديم لنختار قائدا فعل بروما مثلما يفعل ترامب الآن بأمريكا نحتار هل ترامب يشبه «مارك أنطونيو» الذي فتت الامبراطورية من أجل الطموح والمجد الشخصي أم أنه «كراكلا» القائد الذي دمر بريق روما وصورتها اللامعة لأغراض مالية بحته. أم «فالنس» الذي تسبب بسوء تقديره للحلفاء واللاجئين في أكبر كارثة عسكرية خارجية في تاريخ روما (معركة أدريانوبل) عام 378 أم أنه خليط من كل هؤلاء القادة.
ثالثاً: إعلان وثيقة الأمن القومي الأمريكي نقطة فاصلة:
بسبب الاغراق في عمليات الخداع والفوضى والتي خلقت ضبابا أفقدنا الرؤية السليمة أحترنا كثيرا في فهم ما يفعله ترامب بخصوص الشأن الخارجي ما يقارب العام الكامل. إلا أن اعلانه عن الوثيقة الاستراتيجية للأمن القومي الأمريكي في الخميس الموافق الرابع من «شهر ديسمبر 2025» والتي تمحورت حول مبدأ «أمريكا أولاً» وتضمنت تحولاً جذرياً في العقيدة الاستراتيجية لواشنطن من قائد للعالم إلى قوة تسعى لـ «تحصين القلعة الداخلية» وهذا التموضع ليس انزواءً قسرياً بل «عزلة اختيارية» وخطة «خداع استراتيجي» تهدف إلى إعادة البناء الداخلي وإعادة توجيه ميزان القوى العالمي لمصالح أمريكية خالصة. وقد طرحت الوثيقة حقائق لما سيكون عليه النظام العالمي القادم كما أشارت إلى:
- أولوية نصف الكرة الغربي: التركيز بشكل كبير على تعزيز النفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي (أمريكا اللاتينية) كشرط أساسي للأمن والازدهار الداخلي عبر نشر قوات عسكرية إضافية لمكافحة (الهجرة غير الشرعية ـ الجريمة المنظمة ـ وكارتلات المخدرات). وهنا ترغب أمريكا في الهيمنة على نصف الكرة الغربي حيث حددت الوثيقة أن الأولوية القصوى هي «تأمين الحدود» والهيمنة على الأمريكيتين (الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ودول أمريكا اللاتينية) كمنطقة اقتصادية وأمنية حصرية بعيداً عن نفوذ المحور (الصيني-الروسي).
- الاتحاد الأوروبي والناتو: الوثيقة تصف الاتحاد الأوروبي والناتو بأنهم «عبء استنزافي» على الخزانة الأمريكية. وتؤكد على عدم وجود خطط لتوسيع حلف الناتو مما يعزز سيناريو «عقد رابع بلا أوروبا موحدة». كما وجهت الوثيقة انتقادات لاذعة للحلفاء الأوروبيين مشيرة إلى أن أوروبا تواجه «زوالاً حضارياً» اقتصادياً وثقافياً ودعت دول الناتو إلى تحمل المزيد من الأعباء المالية والدفاعية الخاصة بها. كما دعت إلى «إعادة الاستقرار الاستراتيجي» مع روسيا وإنهاء الحرب في أوكرانيا بسرعة. كما تعلن الوثيقة صراحةً دعم واشنطن للأحزاب الوطنية القومية (أحزاب اليمين المتطرف) في جميع أنحاء القارة لتصحيح مسار أوروبا.
- التعامل مع الصين وروسيا وآسيا: صنفت الصين كـ«منافس إستراتيجي» يتطلب الحفاظ على تفوق عسكري أمريكي لمنع تغيير الوضع في تايوان بالقوة مع المطالبة بإعادة التوازن التجاري.
أما روسيا فتم ذكرها في سياق التنافس المستمر لكن التركيز العملي الأكبر كان على التجارة والطاقة وإعادة توزيع الأعباء. في المقابل تتعامل الإستراتيجية مع آسيا من زاوية مزدوجة المحيط الهادي كساحة ردع عسكري ضد الصين والهند ودول جنوب شرق آسيا كسوق بديلة تتيح فك الارتباط الجزئي عن الاقتصاد الصيني.
- منطقة الشرق الأوسط: تتعامل الوثيقة الجديدة معها بوصفها «إقليما تراجعت ضروريته الإستراتيجية للولايات المتحدة» دون أن يفقد أهميته بالكامل. وفسرت ذلك بأن حاجة واشنطن إلى نفط المنطقة تراجعت مع تحولها إلى منتج ومصدّر للطاقة بالإضافة إلى أن الشرق الأوسط لم يعد ذلك المصدر الدائم للإزعاج والمصدر المحتمل لكارثة وشيكة كما كان بل إنه يظهر الآن كمكان للشراكة والصداقة والاستثمار وهو اتجاه ينبغي الترحيب به وتشجيعه حسب الإستراتيجية. ومع ذلك أكدت أن إمدادات الطاقة العالمية وأمن إسرائيل وحرية الملاحة عبر مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر ما زالت تُعتبر «مصالح حيوية» تستوجب حضورا عسكريا وسياسيا أمريكيا.
واعترفت الإستراتيجية بأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لا يزال معقدا، لكنها أشادت بسعي ترامب نحو السلام من خلال اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ بقطاع غزة في 10 أكتوبر الماضي. كما اعتبرت أن إيران خسرت الكثير من قوتها في المنطقة جراء حرب الـ12 يوما في يونيو الماضي مصورة طهران بأنها «تهديد يجب احتواؤه لا استئصاله» وذكرت الإستراتيجية أن مكافحة التطرف بالمنطقة يكمن بتخلي واشنطن عن سياساتها القديمة التي قادتها إلى حربي العراق وأفغانستان والمتمثلة في الضغط على الدول لتغيير نظام حكمها.
رابعا: مشكلات خارجية كبيرة في فترة ما بعد الوثيقة سببتها شخصية ترامب:
شخصية ترامب كما أشعلت الداخل الأمريكي فقد تسببت ايضا في خلافات كبيرة بينه وبين جيرانه وبخاصة في فنائه الخلفي وكذا بينه والاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.
- اشتعال الفناء الخلفي: في تهور خطير يهدد سيادة القانون الدولى والنظام العالمى. دفعت رغبة أمريكا في الهيمنة على نصف الكرة الغربي بترامب الا ينتظر طويلا كعادته فقد صحونا صباح السبت الموافق 3 من يناير الجاري على قيام قوات خاصة أمريكية بعملية خاطفة أدت لاعتقال نيكولاس مادورو الرئيس الفنزويلي من مكان اقامته السرى بكراكاس ونقله إلى نيويورك لمواجهة تهم «الإرهاب المرتبط بالمخدرات»، انتقل ترامب فعلياً وبشكل سريع من «الوعيد» إلى «التنفيذ» وهو ما جعل نبرته تجاه دول الجوار تتصاعد بشكل غير مسبوق. فترامب وجه هجوماً شخصياً وعنيفاً للرئيس الكولومبي غوستافو بترو واصفاً إياه بـ «الرجل المريض» واتهمه صراحة بالإشراف على إنتاج الكوكايين وتصديره للولايات المتحدة. الأخطر من ذلك هو قوله عملية كولومبيا تبدو فكرة جيدة بالنسبة لي وهذا التلميح بشن عملية عسكرية مماثلة لما حدث في فنزويلا وضع الحكومة الكولومبية في حالة استنفار قصوى خاصة وأن بترو كان من أوائل المنددين باعتقال مادورو واصفاً إياه بـ«إرهاب دولة».
بالنسبة للمكسيك يتبنى ترامب سردية أن «الكارتيلات هي من تحكم فعلياً». وقد صرح علانية بأنه طلب من الرئيسة شينباوم السماح للقوات الأمريكية بالتدخل لتصفية الكارتيلات وعندما رفضت، قال جملته الشهيرة: «يجب فعل شيء ما حيال المكسيك عليها ترتيب أمورها». هذا يضع السيادة المكسيكية أمام اختبار صعب مع احتمالية فرض حصار أو عمليات نوعية عابرة للحدود أما كوبا فتبدو في استراتيجية ترامب وكأنها «الثمرة التي ستسقط وحدها». وصفها بأنها «أمة فاشلة» وعلى وشك الانهيار الاقتصادي التام. ماركو روبيو (وزير الخارجية) يعزز هذا التوجه بالقول إن على كوبا أن تدرك أن حليفها الأكبر (مادورو) قد انتهى مما يعني تشديد الخناق عليها حتى تسقط من الداخل دون الحاجة لتدخل عسكري مباشر.
ترامب يظن أن تحصين القلعة الأمريكية يمنحه الحق في ضرب الكل بالعصا دون قلق من الارتداد لكن الغطرسة قد تعميه عن حقيقة أن الضغط قد يولد الانفجار فانطلقت المظاهرات الحاشدة المنددة بسياسات وافعال ترامب في فنزويلا وكولومبيا والمكسيك وتصاعد الغضب ضد ترامب وبالتأكيد أمريكا.
- تحول كبير في موقف أوروبا: عودة الحديث عن جرينلاند ورغبة ترامب في أن تتنازل عنها الدنمارك لأمريكا والتهديد اللاحق بفرض رسوم جمركية إضافية على الدول الأوروبية التي تعارض خطته أدى إلى رد فعل أوروبي موحداً وأكثر حزماً وصل إلى حد التهديد بحرب تجارية فقد عقد الاتحاد الأوروبي اجتماعات طارئة لوضع استراتيجية رد جماعية. وأكدت الدول الأوروبية بما في ذلك فرنسا وإيطاليا على ضرورة مواجهة تهديدات ترامب ورفضها للابتزاز التجاري.
كما لوحت أوروبا بتفعيل «آلية مكافحة الإكراه» التجارية الخاصة بها والتي تسمح بفرض رسوم جمركية مضادة تصل قيمتها إلى 93 مليار يورو على السلع الأمريكية. ثم صوت البرلمان الأوروبي على تعليق الموافقة الرسمية على اتفاق تجاري كان قد تم التوصل إليه مع الولايات المتحدة سابقاً في خطوة لإظهار الرفض القاطع للضغوط الأمريكية.
باختصار أدت تهديدات ترامب لأوروبا إلى توحيد صفوفها وإعداد رد حازم ومتبادل بالمثل. وفي النهاية أعلن ترامب تراجعه عن التهديدات بالتعريفات الجمركية بعد التلويح الأوروبي بالرد التجاري القوي. هذا التراجع لم يرمم الثقة بل زاد من قناعة الأوروبيين بأن أمريكا أصبحت حليفاً لا يمكن التنبؤ به.
تصدع التحالف مع اليمين المتطرف:
بعد سنوات من الدعم المتبادل بدأت الأحزاب اليمينية القومية في أوروبا بالابتعاد عن ترامب بسبب شعورها بالتهديد المباشر لسيادتها الوطنية. فوصف زعماء يمينيون بارزون مثل جوردان بارديلا (فرنسا) وأليس فايدل (ألمانيا) محاولات ترامب للسيطرة على غرينلاند بأنها «ابتزاز تجاري» و»تدخل في الشؤون الداخلية». كما صرحت أليس فايدل (حزب البديل من أجل ألمانيا) بأن ترامب «انتهك وعداً أساسياً بعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى» بينما وصف حلفاء سابقون مثل نايجل فاراج تحركات ترامب بأنها عمل عدائي.
المشهد العالمي الحالي ليس مجرد سلسلة من الأزمات المنفصلة، بل هو نتاج تحول زلزالي في العقيدة الأمنية للقوى العظمى . تبدأ هذه السلسلة من المركز (واشنطن) حيث صدرت وثيقة الأمن القومي في ديسمبر 2025 لتضع حجر الأساس لعصر «العزلة الاختيارية» مما أدى إلى تداعي النظام العالمي القديم.
خامساً : الجزرة قبل العصا: العهد الذهبي الجديد للأمريكيتين:
بعد استعراض مسار التصادم الذي تتبعه واشنطن داخلياً وخارجياً يبرز سؤال جوهري: هل تستطيع الولايات المتحدة استعادة نفوذها عبر نموذج يقوم على المصالح المشتركة لا الإكراه فقط ؟ في هذا السياق يمكن أن يمثل نموذج «الجزرة قبل العصا» الإطار الأكثر قدرة على تحقيق نفوذ مستدام يخدم الرؤية الاستراتيجية التي يتبناها ترامب في إعادة تشكيل مكانة الولايات المتحدة عالمياً.
- استخراج النفط والغاز من الفحم الجزرة الأعظم:
إستراتيجية الاستغناء عن الوقود الأحفوري الأجنبي لتحقيق استقلال طاقي كامل ثم استخدام هذا الاستقلال كرافعة لإعادة بناء النفوذ الإقليمي وترك مناطق الصراع القديمة. طبقا لإسترتيجية مستقبلية لابد وأن تفكر في الاعتماد على أكبر احتياطي فحم في العالم بالولايات المتحدة. ويتم تحويل هذا الفحم إلى بترول وغاز في مصانع يمكن أن تقام في المكسيك وكولومبيا والبرازيل مما يضمن لأمريكا وقوداً آمناً ورخيصاً بعيداً عن تقلبات الشرق الأوسط . فتكلفة العمالة والطاقة التشغيلية في هذه الدول أقل بكثير مما هي عليه في الولايات المتحدة مما يجعل سعر إنتاج البرميل الاصطناعي من الفحم تنافسياً للغاية. ووضعا في الاعتبار:
* أن التكنولوجيا الأساسية لتحويل الفحم إلى وقود سائل (CTL) هي في الأصل تكنولوجيا ألمانية (عملية فيشر- تروبش) تم تطويرها واستخدامها خلال الحرب العالمية الثانية. وأن الصين بدافع الحاجة الإستراتيجية لتقليل الاعتماد على الواردات بالدولار ضخمت استثماراتها في هذا المجال على نطاق صناعي واسع لتصبح الرائدة في هذا المجال.
- اكتمال منظومة الطاقة بدمج الأمريكيتين في كتلة حصرية:
دمج دول أمريكا اللاتينية (خاصة المكسيك وكولومبيا والبرازيل) والتي تمتلك احتياطيات فحم كبيرة في منظومة إنتاج طاقي وأمني أمريكية يضمن زيادة في الناتج المحلي الإجمالي لتلك الدول مما يحقق لها «السلام الاجتماعي» عبر النمو والوظائف فالدول التي تعاني من عدم الاستقرار الاجتماعي والفقر تكون أكثر عرضة للتدخلات الخارجية (خاصة من المحور الصيني- الروسي عبر القروض والمشاريع) وعندما تصبح هذه الدول مزدهرة ومكتفية ذاتياً، فإنها تصبح حصناً ضد النفوذ الشرقي كما أن استقرار هذه الدول اقتصادياً وتتراجع معدلات الجريمة ينخفض تدفق المهاجرين غير الشرعيين إلى الحدود الجنوبية للولايات المتحدة. وهذا يحقق الهدف الأسمى لترامب وهو تأمين الحدود. توجيه الاستثمارات نحو تحويل الفحم إلى وقود سائل هو حجر الزاوية في استقلال القلعة وتوفير مليارات الدولارات. هذا الانخفاض في تكاليف الطاقة بجانب خفض الضرائب سيخلق «فقاعة رفاهية» داخل الأمريكيتين تجعل المواطن الأمريكي يشعر بفارق حقيقي في مستوى معيشته بعيداً عن ضجيج الأزمات العالمية. مع تحويل القارتين إلى سوق مشتركة (من القطب الشمالي إلى الأرجنتين) يضمن لأمريكا كل الموارد التي تحتاجها دون الحاجة للاستيراد من خصوم في آسيا أو أوراسيا. سيمتن المواطن الأمريكي كثيرا لسياسات ترامب الجديدة بتخفيضه للضرائب و زيادته لشبكة الرعاية الصحية واعانات البطالة ويمكن توفير مواردها من خلال توفير تكلفة الهجرة التي شهدت خفضا تاريخيا في اعدادها مع توفيره لمقابل استيراد الطاقة وتكلفة حماية مصادرها بمنطقة الشرق الأوسط وهى جزرة الداخل الأمريكي هناك أمر آخر يقضى تماما على أي مشكلات بفناء القلعة الخلفي وهي رؤية جديدة تفتقدها الادارة الأمريكية. سياسة هجرة مواطني أمريكا اللاتينية إلى الحلم الأمريكي ستتغير إلى تصدير الحلم نفسه إلى هؤلاء المواطنين وإذا استطاعت الآلة الإعلامية الأمريكية أن تقنع المواطن في (المكسيك، كولومبيا، وفنزويلا) بأن الرفاهية، التكنولوجيا، ومصانع الطاقة التي تعتمد على تقنيات تحويل الفحم المتطورة ستُبنى على أرضه ووسط عائلته، فستنتهي أزمة الحدود للأبد دون الحاجة لجندي واحد.
وهذا التصور يجعل من قارتي أمريكا الشمالية والجنوبية وحدة واحدة جزيرة منعزلة ومحصنة مكتفية ذاتياً في الغذاء والطاقة والدفاع .
الداخل الأمريكي يعيش رفاهية غير مسبوقة بسبب انخفاض التضخم (بفضل وقود الفحم) وفائض ميزانية الهجرة . ودول الفناء الخلفي تعيش استقراراً ونمواً اقتصادياً يجعلها «سوراً بشرياً واقتصادياً» حامياً للقلعة الأمريكية.
- مشروع القبة الذهبية.. الجزرة الخاصة بكندا وأوروبا الغربية:
مشروع القبة الذهبية الذي أعلن عنه ترامب مؤخراً في يناير 2026 بتكلفة تقدر بـ175 مليار دولار ليس مجرد نظام دفاع صاروخي بل هو محاولة لتأمين سماء القلعة بالكامل وعليه أن يقنع كندا والدنمارك بالمشاركة في هذا الدرع (الذي يدمج الأقمار الصناعية الاعتراضية) وهو ما يعنى أن تصبح أمريكا الشمالية منطقة محرمة على أي هجوم جوي أو فضائي. كما أن عليه أن يقوم بمقايضة استراتيجية تتمثل في تقديم هذه التكنولوجيا لأوروبا الغربية مقابل تسهيلات في جرينلاند يضمن بها ولاء الحلفاء دون أن يضطر للتدخل في حروبهم البرية. عندما يرى قادة هذه الدول أن أمريكا قوية داخلياً ومحصنة بـ قبة فولاذية تشملهم في حمايتها ومستقلة طاقياً عبر الفحم سيفهمون أن المراهنة على سقوط أمريكا كانت رهاناً خاسراً. سيعودون لعلاقاتهم القوية مع الامبراطورية ليس خوفاً من العصا فحسب بل رغبة في المشاركة في «الازدهار القاري» الجديد.
هذا التصور يحول ترامب من رجل صفقات صدامي إلى مهندس نظام إقليمي ودولي يعتمد على المصالح المتبادلة. إنها فكرة تحويل القوة العسكرية إلى مظلة حماية مقابل مكاسب استراتيجية وتحويل الموارد الطبيعية إلى أداة رفاهية للداخل والخارج.
خاتمة
في النهاية، هل يتراجع ترامب عن التعامل بعقلية رجل الأعمال وليس رجل الدولة. رجل الاعمال الذي يهمه تحصيل الدَّين بأي وسيلة بينما رجل الدولة يدرك أن الاستقرار يحتاج لنظام الكل فيه رابح ولو بنسب متفاوتة هل يتحول ترامب من رجل صفقات صدامي إلى مهندس نظام إقليمي ودولي يعتمد على المصالح المتبادلة لأجل إعادة البريق المفقود للامبراطورية.