د. إبراهيم بن جلال فضلون
«حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن تُوزَن عليكم».. هكذا أوصى الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إنها ليست عبارة وعظية تُقال في المحاريب فحسب، بل منهج حياة، وبوصلة وعي، وميزان أمة. فإن كان شهر رمضان موسم المحاسبة الفردية، فإن مجتمعاتنا اليوم أحوج ما تكون إلى محاسبة جماعية في ظل الزخم التقني، وتسارع الحياة الاتصالية، وتحوّل القيم في فضاءٍ افتراضي بات يصوغ وعينا أكثر مما نصوغ نحن حضوره، في زمنٍ تداخلت فيه الشاشات مع الأرواح، واختلط فيه الصدق بالاستعراض، وغلبت الضوضاء على جوهر المعنى.
مأدبة ربانية: لنلتقط الأنفاس من سباق الحياة في هدنة نقضيها مع الله عز وجل، حول مأدبة ربانية فيها الكثير من شتى الصنوف، التي لم نرها من قبلُ، أعظمها فتح أبواب الجنة طوال الشهر الكريم، وتصفيد الشياطين، فكن بين ما يقارب 58.320.000 /ثانية أي 720 /ساعة كريمة لشهرنا المُبارك، فاستغلها يا مُسلم لجعل يومك الرمضاني يومًا مُستغلًا بكل أطرافه، فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان أجودُ ما يكون في رمضان. رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، فرمضان حدث عظيم يمرَّ بالأرض.. فيُغيَّر نواميس الكون بإذن ربها، من صراع وحروب إلى نقاء وهدوء وسماحة في موسم صفاء روحي، وإشراق قلبي، ونور إلهي، به يَقْوى الناس بالتراحمُ والتعاطف، والتواصل والتآخي والتآزر. فكُن أو لا تكن فيه، متأسيًا بنبينا في اثنتي عشرة خصلة، علينا التحلي بها، بداية من إخلاص النية، والعزيمة على الاجتهاد، فالقراءة للقرآن وأحكامه وآدابه، والصلاة بالمسجد (27 درجة × 5 صلوات = 135 درجة يومياً)،
كلمة مجالسنا: إننا أمةٌ كانت للكلمة فيها أمانة، وكان المجلس فيها حرماً، وكان للصمت فيها هيبة، فإذا بنا اليوم نقيم مجالسنا في فضاءات افتراضية، تُفتح بضغطة زر، وتُغلق بانفعال عابر، وتُدار أحياناً بلا وعيٍ ولا ميثاق. وما بين إشعارٍ يرنّ، وتعليقٍ يُكتب، ورسالةٍ تُعاد، تتآكل مساحات السكينة في نفوسنا، حتى إذا أقبلت مواسم الطهر، كرمضان، وجدنا أنفسنا نبحث عن هدوءٍ فقدناه بأيدينا، فالقضية ليست في التقنية ذاتها، فهي ابنة العقل الإنساني، وما كان العقل نعمةً إلا إذا وُجّه، ولا كان سيفاً إلا إذا أُهمل. إنما القضية في كيفية إدارتنا لها، ووعيِنا بما نصنعه حين نُرسل كلمةً، أو نُطلق حكماً، أو نُشعل جدلاً لا ينتهي. ولقد كان السلف يقولون: «رحم الله امرأً قال خيراً فغنم، أو سكت فسلم». فأين نحن من هذا الميزان؟ إننا في زمنٍ يُكافأ فيه المتكلم أكثر من المتأمل، ويُحتفى فيه بالرد السريع أكثر من الرأي الرصين. حتى غدت بعض الحوارات الإلكترونية أشبه بمعارك لفظية، لا تُثمر وعياً، ولا تُنضج فكرة، بل تُخلّف في القلوب ندوباً، وفي العلاقات شروخاً، وفي النفوس أثقالاً.
العجلة الرقمية: إن من أخطر ما أنتجته العجلة الرقمية أنها ألغت فضيلة التمهّل. كانت الكلمة قديماً تُصاغ على مهل، وتُراجع قبل أن تُقال، أما اليوم فتُكتب في لحظة غضب، وتُرسل في ومضة انفعال، وتبقى شاهداً علينا ما بقيت المنصات، وما أعظم الفرق بين كلمةٍ تخرج من قلبٍ مطمئن، وكلمةٍ تنفلت من نفسٍ مضطربة. ثم إننا إذا تأملنا حالنا في مواسم الطاعة، وجدنا عجباً؛ نُغلق هواتفنا، وننسحب من مجموعاتنا، ونعلن هدنةً مؤقتة مع الضجيج، وكأن المشكلة في الجهاز لا في السلوك، وكأننا نستطيع أن نفصل بين روحنا اليومية وروحنا الموسمية. إن رمضان – أو أي موسمٍ إيماني – ليس استراحةً من الحياة، بل إعادة ترتيبٍ لها، وليس انقطاعاً عن العالم، بل تصحيحاً لمسار العلاقة معه.
فقه جديد: إننا بحاجةٍ إلى فقهٍ جديدٍ في التعامل مع الفضاء الرقمي؛ فقهٍ يُعيد الاعتبار لأدب الكلمة، ولحرمة المجلس، ولو كان افتراضياً. إن «القروب» ليس مجرد مساحة دردشة، بل مجلسٌ يُحاسَب فيه المرء على ما يقول، كما يُحاسَب في مجلسٍ واقعي. وإذا كان السلف يتحرجون من الكلمة في حضرة عشرة، أفلا نتحرج من كلمةٍ قد يقرأها الآلاف؟. ولقد أفسدت بعض الممارسات الرقمية علينا صفاء العلاقات، فصرنا نُسيء الظن بسرعة، ونُفسّر العبارة على غير مرادها، ونُضخّم الخلاف الصغير حتى تصير القطيعة، بسبب أننا فقدنا فضيلة السؤال قبل الحكم، وفضيلة العذر قبل الاتهام، فما أحوجنا إلى استعادة تلك الروح التي تجعل من التواصل سبيلاً للتراحم لا للتراشق.
من يقف عليها؟: إن النقد لا يكتمل إلا إذا أضاء مواضع القوة. فكما أن التقنية قد تُعمّق الجراح، فإنها قادرةٌ – إذا أُحسن توظيفها – أن تُداويها. كم من علمٍ انتشر عبرها، وكم من مبادرة خيرٍ انطلقت منها، وكم من تواصلٍ أحيا رحمًا، أو جبر خاطرًا، أو جمع قلوبًا كانت متباعدة. إن المنصة ذاتها يمكن أن تكون منبر خيرٍ أو منبر شر، والفيصل فيمن يقف عليها، وهنا يتجلى دور القارئ المتخصص، والإعلامي، والمربي، وصانع الرأي. إن مسؤولية تهذيب الفضاء الرقمي لا تقع على الفرد العادي وحده، بل على كل من يملك قدرة التأثير. نحن بحاجة إلى خطابٍ إعلامي يُعلي قيمة الكلمة الرصينة، ويُقدّم القدوة في أدب الاختلاف، ويُرسّخ ثقافة الحوار، لا ثقافة الانتصار للنفس. وهنا نحنُ بحاجة إلى مواثيق شرفٍ داخل المجموعات، تُحدّد حدود النقاش، وتُجرّم الإساءة، وتُشجّع على الاحترام، فالإدارة الواعية لأي مجموعة ليست ترفاً، بل ضرورة، وكما أن المجلس الواقعي له صاحبٌ يُحسن إدارته، فإن المجلس الافتراضي يحتاج إلى قائدٍ يُدير النقاش، ويُطفئ شرارة الفتنة قبل أن تستعر فاحذروا!.
مقاصد العبادة: ومن زاويةٍ أعمق، فإن إصلاح الفضاء الرقمي يبدأ من إصلاح الداخل. فمن امتلأ قلبه يقيناً لا تزعزعه كلمة، ومن استقرّت نفسه لا تُغريه مهاترات. فالصوم – مثلاً – ليس امتناعاً عن الطعام فقط، بل مدرسة ضبطٍ للنفس، فإذا لم ينعكس هذا الضبط على ألسنتنا وأصابعنا، فما الذي تغيّر؟ وإذا لم تُهذّب العبادة سلوكنا اليومي، فهل أدركنا مقصدها؟. إننا نعيش سباقاً محموماً مع الزمن، تُقاس فيه القيمة بعدد المتابعين، ويُقاس النجاح بحجم التفاعل، حتى صرنا نلهث خلف الأرقام، وننسى المعنى. وما أكثر ما نخسر من صفائنا ونحن نظن أننا نربح حضوراً! إن الحضور الحقيقي ليس في كثرة الظهور، بل في صدق الأثر. والكلمة التي تُقال لوجه الحق تبقى، ولو لم يُصفّق لها أحد.
أيها القارئ، إنك حين تُمسك هاتفك، لا تمسك جهازاً فحسب، بل تمسك بوابةً إلى قلوب الناس وعقولهم. فاختر ما تُدخله، واختر ما تُخرجه. لا تجعل أصابعك أسرع من عقلك، ولا تجعل غضبك قائداً لرسالتك. تذكّر أن كل كلمةٍ تُكتب هي شهادة، وكل تعليقٍ يُنشر هو أثرٌ باقٍ، إما لك وإما عليك. ولنكن صرحاء: إن بعض ما نمارسه في فضائنا الرقمي هو تعويضٌ عن فراغٍ داخلي، أو بحثٌ عن اعترافٍ مفقود، أو محاولة لإثبات ذاتٍ لم تجد مساحتها في الواقع. وهنا تكمن المعضلة؛ إذ تتحول المنصات إلى مسارح لإشباع الأنا، لا لخدمة المعنى. وما لم نواجه هذا الخلل بشجاعة، سيبقى النزيف مستمراً.
الإصلاح والصلاح: يبدأ بسؤالٍ صادق: لماذا أكتب؟ أأكتب لأُفيد أم لأُثبت؟ أأكتب لأُصلح أم لأنتصر؟ فإن كان مقصدنا سامياً، صلح المسار، وإن كان غير ذلك، فلن تُغني عنا البلاغة شيئاً. فالإخلاص – تلك الكلمة التي طالما ردّدها العلماء – هو روح كل عمل، رقميّاً كان أو واقعياً. ولعل من أعظم ما يمكن أن نُحييه في فضائنا الرقمي ثقافة الاعتذار. نعم، الاعتذار. وأن نعترف بخطأ كلمة، أو سوء فهم عبارة، أو تجاوز حدّ. إن الاعتذار لا يُنقص من قدر صاحبه، بل يرفعه. وقد كان السلف يرون الرجوع إلى الحق فضيلة، لا هزيمة. فأين نحن من هذه الروح؟، إن مجتمعاتنا الرقمية مرآة لمجتمعاتنا الواقعية. فإذا أردنا فضاءً راقياً، فلنبدأ بأنفسنا. لنُحسن اختيار كلماتنا، ولنُحسن الظن، ولنُطفئ نار الخلاف قبل أن تتّسع. ولنجعل من مواسم الطاعة نقطة انطلاقٍ لسلوكٍ دائم، لا استثناءً عابراً.
وفي خضم هذا كله، لا ننسى أن التقنية نعمة، والنعمة تُشكر بحسن استخدامها. فلنجعلها جسراً للعلم، ومنصةً للمبادرة، ونافذةً للأمل. ولنتذكّر أن أعظم ما يملكه الإنسان ليس صوته، بل قيمته، وليس حضوره، بل أثره، فـهناك حكمة تقول: «اعملوا لدنياكم كأنكم تعيشون أبداً، واعملوا لآخرتكم كأنكم تموتون غداً».. هي اليوم أصدق ما يكون في توجيهنا. فلنُحسن عملنا في دنيا التقنية، ولنجعل نيتنا في كل ما نكتب خالصةً للحق، حتى إذا وُزن القول يوم الحساب، وجدناه نوراً لا ناراً، ورحمةً لا حسرة.
وقفة: ما أحوجنا إلى استحضار قول الحسن البصري -رحمه الله-: «إنما الدنيا حلم، والآخرة يقظة، والموت متوسط بينهما، ونحن في أضغاث أحلام». فإذا كانت الدنيا حلمًا عابراً، فلا تجعلوا شاشاتها أكبر من قلوبكم، ولا رسائلها أثقل من ميزان أعمالكم. وليكن شعارنا ما قاله علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: «قيمة كل امرئ ما يُحسنه»؛ فأحسنوا حضوركم، تُحسن سيرتكم، ويصلح أثركم، وتسمو أمتكم.