د. عبدالمحسن الرحيمي
في الفكر الإنساني، لم تكن القيادة يومًا فكرةً محايدة. فكل أمةٍ رأت فيها مرآةً لقيمها؛ الغرب تعامل معها كعلمٍ للإدارة، والشرق نظر إليها كمنهجٍ للانضباط، والعرب ربطوها بالشجاعة والمروءة. أما في التجربة السعودية، فقد ارتبطت القيادة بالهوية ذاتها، هويةٍ تجمع بين الوطن والإنسان في معادلةٍ واحدة. في كثير من الأدبيات الإدارية الحديثة، تُعرَّف القيادة بأنها «عملية التأثير في الآخرين لتحقيق الأهداف المشتركة».
تعريفٌ يبدو متوازنًا، لكنه تقنيٌّ في جوهره؛ يفترض وجود قائدٍ ومجموعةٍ وأهدافٍ، ويغفل السؤال الأعمق: ما الغاية من كل ذلك؟ أما في التجربة السعودية، فالمسألة تبدأ من مكانٍ مختلف.
تبدأ من الوعي بأن الوطن ليس مساحةً تُدار، بل معنىً يُحمل، وأن الإنسان ليس أداةً في مشروع الدولة، بل جوهر هذا المشروع.
منذ البدايات، لم يُدرَّب القائد السعودي على الإدارة قبل أن يتربّى على المسؤولية. كان الوعي بالوطن أسبق من الوعي بالمنصب، وكانت الرسالة أعمق من الوظيفة. لذلك، حين نقرأ سيرة الملك عبدالعزيز – رحمه الله – نجد أن قراراته الكبرى لم تكن مجرد حساباتٍ سياسية، بل تعبيرًا عن فهمٍ عميق لمعنى الوطن والإنسان.
الوطن لم يكن تربةً يعيش عليها الناس فحسب، بل فكرةً يعيشون بها.
ومن هنا تشكّلت فلسفةٌ مختلفة في القيادة؛ لم تكن القيادة أداةً لتحريك الناس، بل منهجًا لبناء وعيٍ جمعي يجعل الناس شركاء في المسؤولية. فالمدارس الغربية غالبًا ما تسأل: كيف نجعل المؤسسة أكثر إنتاجًا؟ أما في التجربة السعودية، فالسؤال كان: كيف نجعل الإنسان أكثر وعيًا، ليقود نفسه قبل أن يقود غيره؟
الفرق هنا ليس لغويًا، بل فلسفي. ففي بعض النماذج العالمية يُنظر إلى الإنسان بوصفه عنصرًا في منظومة إنتاج، بينما في التجربة السعودية يُنظر إليه بوصفه قيمةً في ذاته. فهو رأس المال الحقيقي، والعاصمة المعنوية للوطن. ولذلك لم يكن تمكين الإنسان في الخطط الوطنية خيارًا مرحليًا، بل امتدادًا طبيعيًا لفلسفةٍ رأت في الإنسان شريكًا لا تابعًا.
كما أن العلاقة بين القيادة والوطن تأخذ في السياق السعودي بعدًا مختلفًا. ففي كثير من الأدبيات الإدارية، يقود القائد مؤسسةً أو شركةً أو جهازًا إداريًا. أما في التجربة السعودية، فالقيادة ترتبط بالوطن ذاته. الوطن كيانٌ حيٌّ يتشكّل من وعي أبنائه، والقيادة ليست أوامر تُصدر من الأعلى، بل قدوة تُجسَّد في الداخل. القائد هنا لا يكون محرّكًا فحسب، بل مُلهمًا؛ وحين يُلهم الناس بحب الوطن، يصبح كل فردٍ قائدًا في موقعه.
وإذا نظرنا إلى المدارس القيادية في العالم، نجد لكل حضارةٍ زاويتها الخاصة. هناك من ركّز على التنظيم والنتائج، وهناك من شدّد على الانضباط والتراتبية، وهناك من ربط القيادة بالإرث الاجتماعي والرمزية. أما التجربة السعودية، فقد نشأت من تحوّلٍ وطني جمع بين القيم والتنظيم والهوية، وصاغ رؤيةً ترى أن القيادة ليست موقعًا فوق الناس، بل حالة وعيٍ في خدمتهم.
مصدر الشرعية في هذه التجربة لم يكن القوة المجردة ولا الكفاءة التقنية وحدها، بل الارتكاز إلى القيم وخدمة الصالح العام. القائد قدوة قبل أن يكون صاحب قرار، والقيادة مسؤولية قبل أن تكون سلطة. ولذلك فإن غاية القيادة لا تقتصر على تحقيق أهدافٍ آنية، بل تمتد إلى بناء الإنسان وبناء الوطن في مسارٍ واحد.
الوعي في هذا السياق ليس مفهومًا ذهنيًا مجردًا، بل سلوكًا يوميًا. هو إدراكٌ بأن أثر القرار يتجاوز لحظته، وأن القيادة الحقيقية تبدأ من إدارة النفس قبل إدارة الآخرين. ولهذا لم تكن القيادة في التجربة السعودية تدريبًا على تقنيات العمل بقدر ما كانت تربيةً على الضمير.
وقد لعب المجتمع ذاته دورًا في ترسيخ هذه الفلسفة. فالقيادة لم تنشأ في فراغٍ أو في نخبةٍ معزولة، بل في مجتمعٍ متماسك تشكّلت فيه علاقةٌ عضوية بين الإنسان ووطنه. وكما يقف طويق ثابتًا في جغرافيته، بقيت هذه العلاقة ثابتة في وجدان الناس؛ علاقة ثقةٍ وانتماء، لا علاقة خوفٍ وانقياد.
في النهاية، ليست المدرسة السعودية في القيادة نظريةً تُدرَّس فحسب، بل تجربةً تُعاش. تجربةٌ ترى أن الوطن والإنسان وجهان لهويةٍ واحدة، وأن أي مشروعٍ وطني لا يكتمل إلا إذا اجتمع فيه الوعي الوطني والسكينة الفردية. ولهذا فإن الحديث عن القيادة في السياق السعودي هو في جوهره حديثٌ عن معنى الانتماء، وعن شراكةٍ مستمرة بين الدولة والمجتمع في صناعة المستقبل.
فالقيادة هنا ليست أرقامًا ومؤشرات فقط، بل معنىً وهوية ومسؤولية مشتركة. ومن هذه المعادلة يتكوّن الوعي السعودي بوصفه حالةً تتجدد، لا شعارًا يُرفع.