د. محمد بن عبدالله آل عمرو
حين نتأمل الأهداف العامة للتعليم في المملكة العربية السعودية نجد أنها تقوم على فلسفة راسخة الجذور، واضحة الاتجاه، تستند إلى وثيقة سياسة التعليم في المملكة العربية السعودية (1390هـ)، وتنطلق من مرجعية إسلامية تجعل بناء الإنسان عقديًا، وأخلاقيًا، وعلميًا، غايةً ووسيلة. فالتعليم في جوهره ليس تكديس معلومات، بل تشكيل إنسان: راسخ القيم، معتز الهوية، ناضج التفكير، منتج في عمله، منافس في عالمه.
وقد أكدت الوثيقة أن من غايات التعليم ترسيخ العقيدة، وبناء الشخصية المتكاملة، وإعداد المواطن الصالح، وتنمية المجتمع علميًا واقتصاديًا. ثم جاءت رؤية السعودية 2030 وبرنامج تنمية القدرات البشرية -وهو أحد برامج تحقيقها- لتضيف بعدًا تنمويًا أكثر وضوحًا: الاستثمار في رأس المال البشري، ورفع التنافسية العالمية، وتحسين موقع المملكة في المؤشرات الدولية، وفي مقدمتها اختبارات PISA وTIMSS.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه: هل جاءت سياسات تنفيذ المنهج على قدر هذه الطموحات؟
لقد تبنت وزارة التعليم ما سُمّي بـ «البناء التكاملي للمناهج»، فجمعت فروع التخصص الواحد في كتاب واحد. والفكرة في أصلها ذات وجاهة إذا أُحسن توظيفها؛ لأنها تعزِّز الربط بين المفاهيم وتحدّ من التجزئة. غير أن التكامل الحقيقي لا يتحقق بمجرد الدمج الشكلي، بل بإعادة بناء الأهداف والأنشطة والتقويم على أسس علمية دقيقة؛ وإلا فإن النتيجة قد تكون تسطيحًا للمحتوى، وتقليصًا للزمن الفعلي لكل فرع، وإضعافًا للتخصصية.
أما القضية الأكثر حساسية فهي التقويم. فقد أُلغي «التقويم المستمر» بعد أن ظهرت آثاره السلبية في ضعف المخرجات، غير أن البديل جاء تحت مسمى «الاختبارات التكوينية» التي مُنحت -في التطبيق- وظيفة الحكم النهائي في عدد من المقررات. وهنا تحولت أداة يفترض أن تكون داعمة للتعلم إلى أداة حسم نهائي، دون وجود اختبار تحصيلي معياري شامل يضبط مستوى الإتقان.
إن الاكتفاء بالاختبارات التكوينية بوصفها أداة حكم نهائي أفرز عدة إشكالات: غياب معيار وطني موحد للقياس، تفاوت التطبيق بين المعلمين والمدارس، ضعف الجدية لدى بعض الطلاب في ظل غياب اختبار حاسم، وصعوبة تحقيق العدالة في التقدير، فضلًا عن تراكم فجوات معرفية لا تُكتشف بدقة. وهكذا يفقد التقويم دوره الإستراتيجي في ضبط الجودة، ويغدو إجراءً شكليًا يمنح درجة أكثر مما يقيس إتقانًا.
ولا يمكن لنظام تعليمي يطمح إلى تحسين موقعه في الاختبارات الدولية أن يستغني عن أدوات قياس معيارية صارمة. فالجودة لا تُبنى بالتوقعات، بل بالبيانات الدقيقة؛ ولا يمكن تحسين ما لا يُقاس بوضوح وعدالة.
من هنا، فإنني أقترح إلغاء الاكتفاء بالاختبارات التكوينية بوصفها أداة حكم نهائي، والعودة إلى منظومة الاختبارات التحصيلية الفترية المنتظمة، وصولًا إلى الاختبارات التحصيلية النهائية المعيارية. فهذه المنظومة تحقق عدة أهداف هي: توحيد معيار القياس، تعزيز الانضباط والجدية، تمكين صانع القرار من قراءة دقيقة لمستوى التحصيل، وإعداد الطلاب ثقافيًا ونفسيًا لبيئة الاختبارات الوطنية والدولية.
إن التقويم ليس إجراءً إداريًا، بل هو صمام أمان الجودة. وإذا أردنا تعليمًا يحقق أهدافه الكبرى، فعلينا أن نوازن بين دعم التعلم أثناء عملية التدريس، وحسم القياس عند نهايتها. فالتعلم يحتاج إلى تغذية راجعة، لكنه يحتاج أيضًا إلى اختبار عادل حاسم يحدد مستوى التحصيل بوضوح.
إن الأمل معقود على وزارة التعليم أن تراجع أدوات القياس مراجعة شجاعة، توازي وضوح فلسفة الأهداف. فالتعليم هو مشروع الدولة الأهم، وهو الرهان الحقيقي على المستقبل. وإذا أردنا تحقيق مراكز متقدمة عالميًا، فعلينا أن نؤسس لثقافة إتقان وقياس تعليمي دقيق.
أرجو لبلادنا وأبنائنا تعليما مجوداً ومنتجاً، وكل التوفيق للقائمين عليه لما فيه خير الوطن وأبنائه.