غسان برنجي
ليست كل الأيام تمرّ بالتساوي في ذاكرة الأمم. بعض الأيام يمضي كما يمضي غيره، لا يترك أثرًا ظاهرًا، ثم يكتشف الناس بعد قرون أنه كان بداية الطريق كله. ليس لأنه شهد حدثًا كبيرًا فحسب، بل لأنه حمل فكرة غيّرت مجرى الزمن. ويوم التأسيس هو واحد من تلك الأيام التي لم تكن مجرد تاريخ في سجل، بل لحظة وُلد فيها معنى الدولة على هذه الأرض، وبدأت معها قصة وطن امتدت عبر ثلاثة قرون.
حين نعود بالذاكرة إلى ما قبل ذلك الزمن، نجد أنفسنا أمام مشهد مختلف تمامًا عمّا نراه اليوم. كانت الجزيرة العربية فضاءً واسعًا بلا مركز واضح، تتجاور فيه القرى والبلدات دون رابط جامع، وتتغير فيه موازين القوة بسرعة، ويعيش الناس في واقع تتفاوت فيه درجات الأمن والاستقرار. كانت الحياة ممكنة، لكنها لم تكن سهلة، وكان الاستقرار حلمًا أكثر منه واقعًا. لم يكن الناس يفتقدون القدرة على العيش، لكنهم كانوا يفتقدون الإطار الذي يحمي حياتهم ويجعلها أكثر انتظامًا.
في مثل ذلك الزمن، لم يكن قيام دولة مستقرة أمرًا مألوفًا. كانت الكيانات تظهر ثم تختفي، وتتشكل ثم تتلاشى، لأن الظروف لم تكن تساعد على الاستمرار الطويل. ومع ذلك، ظهرت رؤية مختلفة آمنت بأن الاستقرار يمكن أن يصبح قاعدة، وأن هذه الأرض يمكن أن تجتمع تحت نظام واحد يحفظ الأمن وينظم الحياة. كانت فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها كانت مشروعًا طويلًا يتطلب صبرًا وإرادة وثباتًا.
من هناك بدأت الحكاية.
لم تبدأ بضخامة الإمكانات ولا باتساع النفوذ، بل بدأت بإيمان واضح بأن البناء المتدرج هو الطريق الوحيد للاستمرار. وحين تولّى الإمام محمد بن سعود الحكم في الدرعية عام 1727م، بدأت أولى ملامح الدولة السعودية الأولى في الظهور، وبدأت معها رحلة طويلة من البناء امتدت عبر الأجيال.
لم يكن التأسيس في جوهره حدثًا عسكريًا بقدر ما كان تحولًا في طريقة تنظيم الحياة. فقد بدأ الناس يشعرون بأن الاستقرار يمكن أن يصبح واقعًا دائمًا، وأن الطريق يمكن أن يكون آمنًا، وأن النظام يمكن أن يحمي الحقوق ويحقق العدالة. ومع كل خطوة، كانت الفكرة تكبر، وكانت ملامح الدولة تتضح، حتى أصبح المشروع الذي بدأ صغيرًا واقعًا ملموسًا في حياة الناس.
الوطن في بدايته لم يكن اسمًا على خريطة، بل إحساسًا يتشكل. كان الأمن الذي يشعر به الناس في طرقهم، والنظام الذي يضبط شؤون حياتهم، والاستقرار الذي يجعل الغد أكثر وضوحًا. ومع مرور الوقت، تحول ذلك الإحساس إلى كيان واضح المعالم، دولة لها حضورها ونظامها ومؤسساتها.
الدول التي تبقى ليست تلك التي تبدأ بقوة كبيرة، بل تلك التي تبدأ بفكرة صحيحة. لأن الفكرة الواضحة تستطيع أن تصمد أمام تغير الظروف، بينما القوة وحدها قد تضعف مع الزمن. والتأسيس في جوهره كان تأسيسًا لمعنى قبل أن يكون تأسيسًا لحدود، معنى يقول إن الدولة يمكن أن تكون عامل استقرار دائم، لا حالة مؤقتة.
مرت السنوات، وتعاقبت المراحل، وتعرضت الدولة لتحديات كثيرة، لكنها بقيت محافظة على جوهرها. فالدولة السعودية الأولى وضعت الأساس، والدولة السعودية الثانية حافظت على الامتداد، ثم جاءت مرحلة توحيد المملكة العربية السعودية على يد الملك عبدالعزيز، لتصبح الفكرة التي بدأت قبل قرون دولة موحدة قوية تمتد على مساحة واسعة من هذه الأرض.
ومنذ ذلك الحين، لم يعد الوطن مجرد مشروع يتشكل، بل أصبح كيانًا راسخًا ينمو ويتطور. ومع كل مرحلة جديدة، كانت الدولة تضيف بعدًا جديدًا لمسيرتها، حتى وصلنا إلى الحاضر الذي نراه اليوم بكل ما فيه من تطور واستقرار.
حين ننظر حولنا الآن، يبدو المشهد مختلفًا إلى درجة يصعب معها تخيل البدايات الأولى. مدن حديثة تمتد في كل اتجاه، طرق تربط أنحاء البلاد، جامعات ومراكز علم، ومؤسسات تدير شؤون الحياة بكفاءة، واقتصاد يتحرك في مجالات متعددة، ومشروعات ترسم ملامح المستقبل. كل ذلك يبدو طبيعيًا لمن يعيش فيه، لكنه في الحقيقة نتيجة مسار طويل بدأ منذ يوم التأسيس.
ولهذا جاء الاحتفاء بـيوم التأسيس ليعيد الذاكرة إلى تلك اللحظة الأولى التي بدأت منها القصة. ففي الأمر الملكي الذي أعلن اعتماد يوم التأسيس مناسبة وطنية، أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز أن هذه المناسبة تمثل امتداد الدولة السعودية لأكثر من ثلاثة قرون وتجسد عمقها التاريخي والحضاري.
هذه الكلمات تختصر المعنى كله. فالدولة السعودية ليست وليدة لحظة حديثة، بل ثمرة تاريخ طويل من البناء المتواصل. ويوم التأسيس يعيد ربط الحاضر بذلك الجذر العميق الذي انطلقت منه المسيرة.
الأمم التي تعرف جذورها تستطيع أن ترى مستقبلها بوضوح. لأنها تدرك أن ما وصلت إليه لم يكن صدفة، بل نتيجة عمل طويل. وحين تتأمل قصة التأسيس، تدرك أن الاستقرار الذي نعيشه اليوم لم يكن أمرًا بديهيًا، بل هدفًا تحقق عبر سنوات طويلة من الجهد.
الأمان الذي يشعر به الناس اليوم، ووحدة الأرض، واستقرار المجتمع، كلها حقائق تبدو طبيعية، لكنها في زمن التأسيس كانت أحلامًا تحتاج إلى إرادة قوية لتحقيقها. ولهذا فإن استحضار تلك المرحلة ليس مجرد استذكار للتاريخ، بل فهم لقيمة الحاضر.
في عالم سريع التغير، تصبح قيمة التأسيس أكثر وضوحًا. فالدول التي تبنى على أسس متينة تستطيع أن تتكيف مع التحولات دون أن تفقد هويتها. وهذا ما يميز التجربة السعودية، حيث ظل الجذر ثابتًا رغم تغير الأزمنة، وظلت الفكرة الأولى حاضرة في كل مرحلة من مراحل البناء.
التأسيس لم يكن لحظة انتهت، بل مسار مستمر. يظهر في كل مشروع جديد، وفي كل تحول اقتصادي، وفي كل خطوة نحو المستقبل. لأن الدولة التي قامت على رؤية بعيدة تظل قادرة على التجدد مهما تعاقبت الأجيال.
ربما لا يشعر كثير من أبناء هذا الجيل بثقل الطريق الذي سبقهم، لأنهم ولدوا في زمن الاستقرار. لكن التأمل في البدايات يكشف حجم التحول الذي حدث. من مجتمع يبحث عن الأمن إلى دولة تصنع المستقبل. من إمكانات محدودة إلى اقتصاد متنوع. من واقع بسيط إلى طموحات عالمية.
هذه الرحلة الطويلة لم تكن نتيجة صدفة، بل نتيجة قرار تأسيسي آمن بأن البناء الحقيقي يحتاج إلى وقت. وأن الدولة التي تريد أن تبقى يجب أن تقوم على أسس ثابتة.
وهنا يظهر المعنى الحقيقي ليوم التأسيس. ليس مجرد مناسبة وطنية، بل لحظة وعي بأن الوطن الذي نراه اليوم بدأ فكرة، ثم أصبح مسارًا، ثم تحول إلى دولة راسخة. لحظة ندرك فيها أن ما تحقق عبر القرون هو مسؤولية مستمرة، وأن المستقبل امتداد طبيعي لذلك الماضي.
في نهاية الرحلة التي تمتد من الدرعية قبل ثلاثة قرون إلى مدن المملكة الحديثة اليوم، تتضح صورة واحدة متصلة. ليست قصة مراحل منفصلة، بل قصة طريق واحد. طريق بدأ برؤية واضحة، واستمر بإرادة ثابتة، ووصل إلى حاضر مليء بالإنجازات، ويتجه نحو مستقبل أوسع.
بعض القصص تبدأ ثم تنتهي، أما قصة الوطن فهي تبدأ ثم تستمر.
قبل ثلاثة قرون.. وُلد المعنى،
واليوم.. يعيش الوطن.