فاطمة آل مبارك
نحمد الله على نعمة التأسيس، اليوم الذي حفظ كيان بلاد الحرمين الشريفين، وأعلن ميلاد مملكةٍ باتت منارةً لريادة الأمتين العربية والإسلامية، ونموذجًا يُحتذى به في بناء حضارةٍ إنسانية سامية.
في الدرعية، حيث الطين ذاكرة تقاوم النسيان، وحيث الطرقات تحفظ وقع الخطوة الأولى، بدأت حكايةُ دولة في لحظةٍ لم تكن ثريةً بالموارد، لكنها كانت غنيةً بالرؤية. هناك وُضعت البذرة التي أعادت تشكيل فكرة الاستقرار في قلب الجزيرة العربية. عندما تولّى الإمام محمد بن سعود الحكم عام 1727م، فُتح أفقٌ جديد لفكرة الدولة بوصفها إطارًا للاستقرار والتنظيم فتحوّلت الإمارة الناشئة إلى مشروعٍ يتجاوز حدود المكان، مشروعٍ يسعى إلى تنظيم الحياة، وترسيخ الأمن، وبناء علاقةٍ أكثر تماسكًا بين الحاكم والمجتمع.
ومن هنا بدأت ملحمة جمع الشتات، وتحول الانتماء من إطارٍ قبليٍ ضيّق إلى إطارٍ أوسع هو فكرة الدولة. ومع هذا التحول تغيّر وجه المكان تحوّلت الطرق القاحلة من ممرات محفوفة بالمخاطر إلى مساراتٍ آمنة للتجارة والحجيج، وبدأت القبائل قرى وحاضرة تجتمع تحت رايةٍ واحدة، لا بقوة السيف وحده، بل بقوة الانتماء لمنظومةٍ تسعى إلى تحقيق العدل والاستقرار.
واليوم يقف حي طريف شاهدًا عالميًا على تلك اللحظة التاريخية يروي حكاية الإنسان الذي طوّع قسوة البيئة ليصنع معنى الحضارة. ففي البيئات الصعبة لا تُبنى الأمكنة فقط، بل تتشكّل القيم الأكثر رسوخًا ،الصبر، ووضوح القرار، والاقتصاد في الموارد، والإيمان بوصفه قوةً داخلية تدفع إلى الاستمرار. وما نعيشه اليوم ليس سوى الامتداد الطبيعي لبذرةٍ غُرست قبل ثلاثة قرون، جسرٌ متين يربط بين إصرار المؤسس الأول وطموح الحاضر، ويتجسد في التمسك بالهوية العربية والإسلامية التي انطلقت من قلب نجد، وفي القدرة المتجددة على الانبعاث مع كل مرحلة تاريخية دون أن تفقد التجربة جذورها أو معناها الأول.
وفي بعدها الإنساني، يذكّر يوم التأسيس بأن أول ما تبنيه الدول ليس العمران بل الطمأنينة ،الطمأنينة التي تجعل الطريق ممكنًا، والتجارة ممكنة، والحلم ممكنًا. فحين يشعر الإنسان بالأمان يبدأ التاريخ الحقيقي للدولة: تاريخ العمل والبناء والانتماء.
إن التجربة السعودية تشبه النخلة تضرب جذورها عميقًا في الأرض بينما يظل رأسها متجهًا نحو السماء. ويأتي يوم التأسيس بوصفه لحظة وعيٍ وطني تعيد طرح السؤال الأول: كيف تبدأ الدول؟ وكيف تتحول الفكرة إلى كيان، والمعنى إلى وطن؟
في هذا السياق، يغدو يوم التأسيس احتفاءً بفكرة مشروعٍ تاريخي بدت يومًا حلمًا بعيدًا في الصحراء، لكنها تحولت مع الزمن إلى حقيقةٍ سياسية واجتماعية وثقافية راسخة. ومع تعاقب القرون، أصبحت هذه الفكرة جزءًا حيًا من الهوية الثقافية السعودية ثلاثة قرون من الكينونة والسيادة خاضت خلالها الدولة، في مراحلها المختلفة، مسارات مواجهةٍ وبناء.
ولهذا يدرك الوعي السعودي اليوم أن الحاضر هو ثمرة ذلك الغرس القديم. فالانتقال إلى رؤية السعودية 2030 ليس انتقالًا مفاجئًا، بل امتدادٌ طبيعي لروح البناء والطموح التي بدأت قبل نحو ثلاثة قرون.
وهكذا يبقى يوم التأسيس ذكرى وطنية ومعنىً حيًا يولد من البدايات ويتجدد مع توالى الأجيال.