د. طلال الحربي
ثمة لحظات في تاريخ الأمم تبدو فيها المصادفة وكأنها قدر مرتب، وتبدو فيها التعيينات وكأنها رسائل تكتبها الدولة بحبر من وعيها العميق بذاتها. ولعل تولي الأمير راكان بن سلمان محافظة الدرعية واحدة من هذه اللحظات التي لا ينبغي أن تمر مرور الكرام، بل تستحق أن نتأملها ملياً، لا من باب التهنئة الرسمية العابرة، ولكن من باب الفهم العميق لما تحمله من دلالات تتشابك فيها خيوط التاريخ وإرادة الحاضر وطموح المستقبل.
لكي نفهم ثقل هذا التكليف، لا بد أن نعود إلى طبيعة الدرعية نفسها، فهي ليست محافظةً بالمعنى الإداري الاعتيادي، وليست موقعاً سياحياً يضاف إلى قائمة الوجهات. الدرعية هي الرحم الذي منه ولدت الدولة السعودية الأولى عام 1727م، وهي المكان الذي فيه رسم فيه الإمام محمد بن سعود، مسار الجزيرة العربية ورسم ملامح كيان سيتحول إلى دولة بامتداد قرون ثلاثة. وادي حنيفة وأسوار العليا وطين الطريف ليست أطلالاً يزورها السائح، بل هي النقطة التي منها انطلقت فكرة المملكة.
ومن هنا تحديداً يأتي ثقل المسؤولية؛ فمحافظ الدرعية اليوم ليس مسؤولاً عن إدارة رقعة جغرافية، بل هو أمين على رواية حضارية، وصاحب مفاتيح مشروع عالمي تتقاطع فيه الهوية الوطنية مع خطط التنمية، والأصالة مع الحداثة، والتاريخ مع الرؤية.
لا يمكن الحديث عن الأمير راكان بن سلمان دون أن نتحدث عن المدرسة التي تشكل فيها وجدانه ووعيه، وهي مدرسة الملك سلمان بن عبد العزيز، ذلك القائد الذي جمع في شخصيته شيئين نادراً ما يجتمعان: الذاكرة التاريخية الحية للمملكة، والنظرة الاستراتيجية الثاقبة لمتطلبات العصر.
الملك سلمان حكم الرياض أميراً لنصف قرن تقريباً، وفي تلك السنوات الطويلة وضع نموذجاً للحكم يقوم على ثلاثة ركائز: الصلة العضوية بالتاريخ، والعدالة في خدمة الناس، وحضور الدولة بكل معاني الكلمة. هذه المدرسة ليست تدريساً نظرياً، بل هي تجربة حية تشربها أبناؤه مع كل مرحلة من مراحل النضج. والأمير راكان، ابن هذا الملك وتعلم في مدرسته، حمل معه إلى الدرعية هذا الإرث الثمين من الفهم والمسؤولية.
وجاءت رؤية 2030 لتعيد إلى الدرعية بوصفها واحدةً من أبرز ركائزها الحضارية. ما أعلن عن مشروع الدرعية ليس مجرد مشروع للترميم أو السياحة، بل هو إعلان عن رغبة المملكة في أن تقدم نفسها للعالم من بوابة منشئها الأصيل. ولي العهد الأمير محمد بن سلمان نظر إلى الدرعية نظرةً تجاوزت الجغرافيا، فرأى فيها متحفاً حياً للحضارة العربية الإسلامية، ومرآةً تعكس قدرة المملكة على الجمع بين الماضي العريق والمستقبل الطموح، وورقة هوية تقدمها المملكة للعالم بأعلى مستوى.
وحين يأتي الأمير راكان إلى هذا المشروع، فهو يأتي كمسؤول وقد نهل من هذه الرؤية، وعاش في حضرة مؤسسها، وتشرب قيمها، وبذلك هو يمثل الامتداد الطبيعي لهذه المدرسة في شقها التنفيذي الميداني، وهو الامتداد الذي يحمل في داخله الجين الأصيل لرجل عاش التاريخ ورجل يصنع المستقبل.
ما يميز هذه المرحلة من تاريخ المملكة أن قيادتها الواسعة تتجه بثقة نحو توريث المسؤولية لجيل يفهم مفردات العصر الجديد، ويحمل في الوقت ذاته وعياً حقيقياً بثقل الموروث. الأمير راكان بن سلمان يمثل في هذا السياق نموذجاً لشباب يجمع بين انتمائه العميق للأرض وتاريخها، وبين امتلاكه لأدوات التعامل مع عالم متسارع التحولات.
الدرعية اليوم مشروع حضاري ثقافي بامتياز؛ يستقطب أنظار العالم، ويتنافس في مصاف الوجهات الثقافية الكبرى على مستوى الكوكب. ولكي يبلغ هذا المشروع غايته كاملةً، يحتاج إلى عقل يفهم الخطاب التاريخي ويحسن تقديمه، ويد تمسك بزمام التنفيذ بكفاءة وحزم، وقلب يرى في الدرعية أكثر من مسؤولية رسمية، بل أمانةً حضارية موروثة.
اليوم يعود الأمير راكان إلى الدرعية وفي ذاكرته مدرسة أبيه وفي بصيرته رؤية أخيه ولي العهد، وأمامه أرض هي أصل الحكاية كلها. هذا اللقاء بين القائد والمكان ليس مجرد تعيين إداري، بل هو حدث يحمل من الدلالة ما يجعله صفحةً في كتاب المملكة الكبير.
الدرعية ستظل تسأل كل من يتولى أمرها: هل فهمتني؟ هل أعطيت هذا المكان حقه من الرؤية والعمل؟ والجواب لن يكون في الخطب والتصريحات، بل في ما ستقدمه الدرعية للعالم بعد سنوات، وهل ستصبح فعلاً كما أراد لها الملك سلمان وسمو ولي عهده الأمين: منارةً حضارية تتحدث عن الجذور بلغة المستقبل.
ذلك هو الرهان، وتلك هي الفرصة، وهذا هو الوقت.