عبدالله فهد السعيدي
ليست العمرة حدثًا موسميًا عابرًا، ولا مناسبة تقام كل عدة أعوام، بل مشهدٌ يومي متجدد.
في الأيام الاعتيادية، تستقبل مكة المكرمة ما بين 1.2 إلى 2.4 مليون معتمر شهريًا، في حركة بشرية عالية الكثافة، تُدار بانسيابية لافتة ودقة تنظيمية استثنائية. وفي شهر رمضان، يتضاعف المشهد ليبلغ أكثر من عشرة ملايين معتمر خلال ثلاثين يومًا، بكثافة يومية تقارب أربعمائة ألف معتمر، ضمن نطاق جغرافي محدود، وبيئة تشغيلية بالغة الحساسية.
هنا لا تُدار حشود فحسب، بل تُدار منظومة حياة كاملة: تفويج دقيق، نقل متكامل، جاهزية صحية وأمنية على مدار الساعة، خدمات لوجستية متصلة بلا انقطاع، وأنظمة تشغيل متقدمة تعمل بتناغم مؤسسي رفيع. هذا المشهد لا يُبنى في أشهر، ولا يُختبر في بطولة عابرة، بل يُمارس يوميًا، عامًا بعد عام.
غير أن هذا الأداء المتقن لم يولد من فراغ. فمنذ أن وحّد الملك المؤسس الملك عبدالعزيز آل سعود هذه البلاد، وأقامها على شرف خدمة الحرمين الشريفين، أصبحت إدارة الحشود جزءًا من هوية الدولة ورسالتها السيادية. تراكمت الخبرة، وتعاقبت المواسم، وتحوّل التنظيم من واجبٍ إداري إلى علمٍ متكامل، تتوارثه المؤسسات جيلاً بعد جيل. وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ترسخت معادلة الدولة الحديثة: حزمٌ في القرار، وثباتٌ في الموقف، واستمراريةٌ في البناء. تحولت خدمة ضيوف الرحمن إلى منظومة تشغيلية شاملة، مدعومة بأحدث تقنيات التخطيط، وأدق معايير الحوكمة، وأعلى درجات الجاهزية المؤسسية.
أما سمو الأمير محمد بن سلمان آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، فقد نقل المملكة من مرحلة القدرة إلى مرحلة الريادة. برؤية إستراتيجية واضحة، واستثمارات نوعية في البنية التحتية والنقل الذكي والتحول الرقمي، أصبحت إدارة الحشود تُدار بعقل البيانات وتقنيات الذكاء الاصطناعي، ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي أعادت تعريف موقع المملكة على الخريطة العالمية.
وفي عام 2025، استقبلت المملكة أكثر من 21 مليون سائح ترفيهي، دون احتساب المعتمرين والحجاج، في مؤشر يعكس نضج التخطيط الاستثماري والتنظيمي، وقدرة الدولة على تقديم تجربة عالمية المستوى.
قد تخطط بعض الدول خمس سنوات لتنظيم بطولة تمتد شهرًا واحدًا، وتُسخّر لها إمكاناتها كافة، بينما تدير المملكة سنويًا حشودًا دينية مركّزة، موسمية، عالية الكثافة، بهذا التعقيد التنظيمي، وبهذا الاتساق الأمني والخدمي، دون إخلال بالاستقرار أو اضطراب في الأداء.
لهذا، حين يُطرح السؤال: هل تستطيع المملكة تنظيم كأس العالم؟
فالجواب أن القدرة التي تدير الملايين من الناس في بقعة جغرافية واحدة وعلى مدار العام ضمن ضوابط صارمة، لن تعجز عن تنظيم تظاهرة رياضية عابرة، لذا فإن استضافة كأس العالم ليست مجرد طموح أو وعد سياسي ولا حتى خطاب استعراضي؛ بل هي واقع يمارس يومياً على أعين كل من يرى.