فائز بن سلمان الحمدي
ليس الخبر حين يرد في أوطان الكبار مجرد نبأ عابر يمر في مجرى الأيام، بل يكون علامةً تقرأ في سفر المعاني، ودلالةً تفسر في ميزان القيم، وإشارةً إلى الجهة التي تدير إليها الدولة وجهها الأخلاقي كما تدير وجهها التنموي. وحين صدرت الموافقة الملكية على إقامة الحملة الوطنية للعمل الخيري في نسختها السادسة، لم يكن المشهد محصورًا في إعلان موسم من مواسم البذل، بل كان تجديدًا للعهد بين القيادة والشعب على أن الخير ليس طارئًا في سياسة هذا الوطن، ولا نافلةً في مشروعه الحضاري، بل هو ركن من أركان هويته الكبرى، وعصب من أعصاب استقراره الاجتماعي، وصيغة راقية من صيغ تعبير الدولة عن ضميرها الحي. في هذا الوطن، لا تفصل السلطة عن القيم، ولا تدار التنمية بغير روح تؤنس صرامة التخطيط، وتلين صلابة الأرقام، فالموافقة الملكية حين تصدر على مشروع خيري وطني، فإنما تصدر بوصفها شهادة وعي بأن الإنسان هو غاية السياسات كلها، وأن عمران الحجر إن لم يصاحبه عمران الضمير، ظل جسدًا شاهقًا بلا روح، وصورةً براقةً بلا معنى. وهنا يتجلى معنى الدولة التي تحسن الجمع بين حداثة الأدوات ورسوخ القيم، فتقيم للخير مؤسسات كما تقيم له مواسم، وتدير العطاء بعقل الدولة كما تلهمه بروح الرسالة. وإذا كانت النسخة السادسة من هذه الحملة امتدادًا لنسخ سبقت، فإن الامتداد هنا ليس تكرارًا باردًا، بل تراكم وعي، ونضج تجربة، واتساع أفق بات يرى في العمل الخيري رافعةً من روافع الاستقرار، وساترًا من سواتر الأمن الاجتماعي، وأداةً من أدوات الوقاية قبل أن يكون وسيلةً من وسائل العلاج. إن الفقر حين يترك طويلًا في الظلال ينبت في العتمة قلقًا عامًا، وإن الحاجة إذا لم تواجه بمنظومة عادلة من التكافل تتحول إلى صدع في جدار السلم الأهلي، ومن هنا تأتي الحملة لا لتسكت الأوجاع إسكاتًا مؤقتًا، بل لتحمل عنها ثقل الإهمال، وترفعها إلى دائرة العناية المؤسسية التي تحسن التدبير كما تحسن النية. وما كان للعمل الخيري في هذه البلاد أن يظل حبيس المبادرات المتفرقة والاندفاعات العاطفية العابرة، بل مضى – بوعي الدولة ورشد قيادتها – إلى أن يكون منظومةً وطنيةً محكومةً بالحوكمة والشفافية، مشفوعةً بالتقنيات الحديثة، قابلةً للقياس والتقويم، موجهةً إلى حيث يكون الأثر أعمق والجدوى أبقى. وهكذا غدا العطاء فعلًا واعيًا لا ارتجال فيه، ومسارًا مؤسسيًا لا فوضى في مداراته، يطمئن فيه المتبرعإلى مصير ما بذل، ويشعر فيه المحتاج بأن ما ناله ليس منةً تذله، بل حق اجتماعي تصونه الدولة وتحسن إيصاله.
وفي هذا السياق، لا يقف المجتمع موقف المتفرج على مسرح الخير، بل يستدعى ليكون شريكًا في صناعة الأثر، إذ تفتح أبواب العطاء لكل من أراد أن يسهم بمال أو جهد أو وقت أو فكرة أو كلمة محرضة على البر، فيتحول الخير من فعل نخبة إلى ثقافة مجتمع، ومن سلوك أفراد إلى وعي أمة، وتغدو المواطنة في أحد تجلياتها ممارسةً أخلاقيةً يوميةً، لا مجرد رابطة قانونية جامدة. وما يزيد هذه التجربة ألقًا أنها تستمد روحها من معين الشريعة ومقاصدها، ثم تصاغ في قوالب الدولة الحديثة وأدواتها، فيلتقي التراث بالإدارة، وتلتقي الصدقة بالسياسات العامة، وتغدو مفاهيم الزكاة والوقف والتكافل الاجتماعي روافع تنمويةً تسهم في تمكين الفئات الأكثر احتياجًا، وفي دعم مسارات التعليم والصحة والرعاية، وفي بناء شبكة أمان اجتماعي لا تترك الإنسان وحيدًا في مواجهة هشاشته. هكذا تبدو الموافقة الملكية على إقامة الحملة الوطنية للعمل الخيري في نسختها السادسة توقيعًا رمزيًا باسم الوطن على وثيقة إنسانيته، وإقرارًا بأن القوة التي لا تنيرها الرحمة تبقى ناقصة المعنى، وأن السيادة التي لا تصاحبها عناية بالإنسان تظل صلابةً بلا قلب. وفي هذا التوقيع العالي النبرة، يستيقظ الضمير الجمعي على معنى أن الأوطان العظيمة لا تقاس فقط بما تشيده من عمران مادي، بل بما تشيده في النفوس من إحساس بالمسؤولية، وفي الأرواح من قابلية للبذل، وفي المجتمع من قدرة على أن يتماسك حين تتزاحم عليه التحديات.
وإذا كان هذا الوطن يمضي اليوم في دروب المستقبل بخطى واثقة، فإن من دلائل وثوقه أنه لا ينسى وهو يبني أن يحسن، ولا ينسى وهو يقوى أن يرحم، ولا ينسى وهو يعلو أن يطل من عليائه على من هم في الأسفل بيد ممدودة لا تجيد غير العطاء.