عبدالعزيز صالح الصالح
تعتبر القصَّة رفيقة الإنسان في جميع العصور القديمة التي مَرَّ بها، وعرفها منذ عرف نفسه.. حيث يمدها الفن والمعرفة، فقد نشأ الفن عندما استيقظت في المرء حاسَّة تذوق الجمال.
وظهرت قدرته على التعبير عن آيات الجمال والكون، فإذا كان أساس العلم هو الملاحظة والتجربة، فإن أساس المعرفة هو التجربة الشعورية الدِّينيِّة؛ لذا يقول علماء النَّفس (لا يمكن فهم الحياة إلا من داخل النفس البشريَّة).
فإن الأديان السماوية التي رفعت منزلة الإنسان في هذا الكون الواسع، وعرفته بما أودع الله فيه من بذور المعرفة ومن نفحات علوية، وعلمته كيف يسمو فوق ذاته، فقد كان لها الفضل في دفع عجلة الزمن للخروج من الأمور البدائية التي كان من أبرز آثارها في الإنسان الخوف من المجهول وسيطرة الأوهام عليه فأصبح بما غرست الأديان السماوية في قلبه من طمأنينة، وفي نفسه من ثقة - باحثاً عن حقيقته وعن سر وجوده وعما يمكنه من فرض سيادته وبسط سلطانه على هذا الكون الَّذي أنس إليه، وقد تحوَّلت نظرته إلى الأشياء وتفسير الأحداث بعد أن كان عاجزاً ضعيفاً يخاف من كل شيء، لقد صار يؤمن إيماناً قاطعاً بأن هذه القوى الكونية العظيمة تنشر الدمار والخراب، وهي في نفس الوقت تحفظ الحياة وتزيدها قوة ونماء، وأنها لا تتصرف فيها إرادة قاهرة عمياء كما كان يتصور الفكر اللاهوتي، بل إرادة نافذة، ولكنها مبدعة، لها نواميس محكمة، مما جعل الحياة الإنسانيَّة في اتصالها بالحقائق أعمق وأشمل، وأكثر تفاؤلا وأمناً.
والحق أن الكتب السماوية - ولا سيما كتاب الله الكريم - بدعوتها الإنسان إلى التأمل في عالم نفسه، وإعداده إلى هذا اللون الجديد من المعرفة هي التي فجرت ينابيع الحياة في أعماق ذاته كما قال تبارك وتعالى في محكم كتابه الكريم: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} (21) سورة الذاريات.
{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (53) سورة فصلت.
فإن القصَّة تبدو لي أنَّها تتحرر من جبرية اليونان!! فقد كانت ترتكز في العهد اليوناني إلى طقوس دينيِّة تتِّسم بجبرية آلية يخضع فيها أبطال الرواية إلى سلطة خارجية مبهمة، فهي التي ترسم خطاهم وتجعل أدوارهم ثانوية، فهم يصارعون القدر ويصاولونه فيصرعهم، ويتلاشى أثرهم في مهاويه: ثم تطورت (المأساة) بعد انتشار الأديان السماوية، فصارت تنبع من قلوب البشر، وترتكز إلى إدارة البشر، وصار البطل في القصَّة يتمتع بالحق الإنسانيِّ في الاختيار والتردد والخطأة مبتعداً بذلك عن مسالك الآلية الجامدة التي خمدت فيها حركة الحياة والوعي. فقد قيل إن للانتصارات العلميَّة التي حققها الفكر في شتَّى مجالات الحياة شأناً في هذه الثقة بالنفس البشريَّة. فإن القصص التي صيغت بأسلوب فني لا يتبع فيه القاص آثار النفس ومساربها فحسب إنه لينفذ ببصيرته إلى أعماقها، فيحلل النزعات ويستنبط البواعث، ويعلل المواقف، ليبصرنا بالحقيقة الخافية، ويرينا من أنفسنا ما نُسِر ويصارحنا من أمرنا بما نكتم حتى أصبح موضوع علم النفس القصصي من أهم موضوعات النقد في العصر الحديث.
فإذا نجح المرء في اكتشاف الكون فإنه يعجز عن اكتشاف النفس البشريَّة بما فيها من مسارب ودروب وبما لها من أبعاد !! فالقصَّة حقل فسيح خصب لإنتاج تلك التجارب الإنسانيَّة التي ينصر فيها القاصُّ، ويسمو بها عن ظروفها العادية، فيقدمها صادقة في الإحساس، نابضة بالحياة، زاخرة بالفن.. لقد استطاعت القصة الحديثة أن تتحرر من قيود الكلاسيكية والمقاييس التي تفرضها، مثل العقدة والمفاجأة واصطناع الإشارة والحماس فالقصَّة الواقعية أصدق من واقع الحياة علماً أن الحياة خليط تمتزج فيه الأحداث امتزاجاً وفيها لحظات جوفاء – وأوقات ميتة فقد تبين أن القصة عمل فني يحتاج إلى ذاكرة مختزنة، وملاحظة دقيقة، وعين لاقطة، وأذن متفتحة، ومعرفة متأملة للحياة وما وراءها، وللكون وما وراءه.
لقد تبين اليوم أن أسمى وظيفة للفن أن يثير في الإنسان أنبل العواطف، ويلهمه أشرف المعاني، ويكشف عن قوته الروحية، ويوسُع آفاق نظرته للأشياء وللحياة ما دام الواقع لا يُدرك دائماً بالعقل وحده، فإن التعبير عنه بالرأي المجرد لا يكشف عن حقيقته، كما تكشفها القصة الفنية، التي يمتزج فيها العلم بالمعرفة، والفعل بالعاطفة، والفكرة بالتجربة.
والله الموفِّقُ والمعين.