د. عيسى محمد العميري
إنها فعلاً حديث الساعة.. فيما يعرف بقضية إبستين!؟.. تلك القضية أصبحت الشغل الشاغل للعالم بأسره من شرقه إلى غربه.
وجعل قضية بطلها تتجاوز حدود المحاكم ولتصبح مادة دسمة للرأي العام العالمي؟ الذي بدأ مسيرته المهنية بشكل متواضع قبل أن ينتقل إلى عالم المال والاستثمار.
على الرغم من أنه لم يكن يحمل مؤهلات أكاديمية تقليدية في التمويل، إلا أنه استطاع نسج شبكة علاقات واسعة مع شخصيات سياسية واقتصادية بارزة داخل الولايات المتحدة وخارجها.
وقد ساعدته هذه العلاقات على تقديم نفسه كمستشار مالي لعدد من الأثرياء، ما منحه نفوذاً اجتماعياً لافتاً، خاصة في تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة!..
ولكن خلف الصورة اللامعة، كانت تتشكل قصة أخرى أكثر قتامة.
ففي عام 2005 بدأت أولى التحقيقات الرسمية بحقه في ولاية فلوريدا، بعد بلاغات تتعلق باستدراج فتيات قاصرات واستغلالهن جنسياً.
وبعد تحقيقات مطولة، وُجّهت إليه تهم جنائية، غير أن القضية انتهت عام 2008 باتفاق مثير للجدل مع الادعاء العام، قضى بإقراره بالذنب في تهم مخففة مقابل عقوبة مخففة نسبياً، حيث أمضى نحو 13 شهراً في السجن مع امتيازات أثارت انتقادات واسعة.
وهذا الاتفاق أثار لاحقاً عاصفة من الانتقادات، إذ اعتبره كثيرون مثالاً على ازدواجية المعايير في التعامل مع أصحاب النفوذ. ومع تصاعد حركة «MeToo» وعودة تسليط الضوء على قضايا الاعتداء الجنسي، تلك الحركة التي أعادت فتح ملف إبستين عام 2019، لتوجه إليه اتهامات فيدرالية جديدة تتعلق بالاتجار بالقاصرات لأغراض الاستغلال الجنسي في ولايتي نيويورك وفلوريدا.
ولاحقاً وفي يوليو 2019، أُلقي القبض عليه في مطار بولاية نيوجيرسي، وأُودع في مركز احتجاز في مانهاتن بانتظار محاكمته.
إلا أن القضية أخذت منحى درامياً جديداً في أغسطس من العام نفسه، عندما عُثر عليه متوفياً داخل زنزانته. وأعلنت السلطات أن وفاته كانت نتيجة انتحار!..
وهنا تبرز الطامة الكبرى وتجعل التساؤلات العالمية والمتابعين لهذه القضية تصيبهم بخيبة أمل مختلطة مع مشاعر بالحقيقة السوداء التي زادت من قتامة تصرفات الدول الغنية تجاه الفقراء والمغلوب على أمرهم..
ومن ناحية أخرى، فإن قضية إبستين لم تكن مجرد ملف جنائي، بل تحولت إلى مرآة تعكس قضايا أعمق تتعلق بالسلطة والنفوذ والمساءلة. فقد كشفت عن ثغرات في النظام القانوني، وأعادت طرح تساؤلات حول حماية الضحايا وشفافية الإجراءات، ومدى قدرة المؤسسات على محاسبة أصحاب العلاقات المتشعبة.
والأهم قدرتها على مساءلة ومحاكمة مرتكبيها.
واليوم، وبعد مرور سنوات على رحيل بطلها، لا تزال القضية حاضرة في النقاش العام، سواء في أروقة المحاكم أو في وسائل الإعلام أو حتى في الإنتاجات الوثائقية.
وبين حقائق مثبتة وأسئلة معلّقة، تبقى قصة إبستين واحدة من أكثر القصص تعقيداً وإثارة في العصر الحديث، عنوانها الأبرز: كيف يمكن لشبكات النفوذ أن تحجب الحقيقة لسنوات، قبل أن تنكشف تحت ضغط العدالة والرأي العام؟.
والله الحافظ.
** **
- كاتب كويتي