هدى بنت فهد المعجل
ليست المشكلة أن الإنسان يفكّر كثيرًا، بل أن أفكاره أحيانًا تبدأ بالتفكير فيه.
هناك لحظة خفية لا ننتبه لها، لحظة ينتقل فيها العقل من كونه أداةً نستخدمها إلى ساحةٍ تُستخدم ضدّنا. عندها لا يعود الإنسان سيّد أفكاره، بل ظلًّا لها يمشي حيث تدفعه، ويبرّر ما تمليه، ويظنّ أنه اختار الطريق بينما هو في الحقيقة اختير له.
نحن لا نعيش الواقع كما هو، بل كما تفسّره عقولنا.
كلّ إنسان يحمل داخله عدسة غير مرئية، يرى من خلالها العالم. بعض العدسات مصقولة بالأمل، وبعضها مخدوش بالخوف، وبعضها ملوّن بتجارب قديمة لم تُحسَم بعد. ولهذا قد يعيش شخصان في المكان نفسه، لكن أحدهما يراه ساحة فرص، والآخر يراه ساحة تهديد.
الأفكار لا تسكن فينا فقط، بل تبني داخلنا غرفًا كاملة.
هناك أفكار تتحول إلى جدران، تحاصرنا دون أن نلاحظ. أفكار عن أنفسنا، عن قيمتنا، عن قدرتنا، عن حدودنا. ليست كل السجون من حديد، بعض السجون جملةٌ صدّقناها في وقت ضعف، ثم تحولت مع الزمن إلى قانون داخلي لا نجرؤ على مخالفته.
الخطير في الأفكار أنها لا تفرض نفسها بالقوة، بل بالتكرار.
الفكرة التي نسمعها كثيرًا، أو نحدّث أنفسنا بها كثيرًا، تكتسب مع الوقت صفة الحقيقة. لا لأنها صحيحة، بل لأنها مألوفة. والعقل البشري يميل إلى الألفة أكثر من ميله إلى الحقيقة. لهذا قد يتمسّك الإنسان بفكرة تؤذيه، فقط لأنها أصبحت جزءًا من صوته الداخلي.
لكن في المقابل، يمتلك الإنسان قدرة نادرة:
يمكنه أن يراقب أفكاره بدل أن يذوب فيها.
هذه القدرة هي بداية الحرية الحقيقية.
حين يدرك الإنسان أنه ليس كل ما يدور في رأسه يمثّله، يبدأ لأول مرة بفصل ذاته عن ضجيجها. يكتشف أنه ليس الخوف الذي يشعر به، ولا الشك الذي يهاجمه، ولا الذكريات التي تطارده. تلك كلها أحداث داخلية، أما هو فشيء أوسع منها جميعًا.
الوعي هنا يشبه نافذة تُفتح في غرفة مغلقة منذ سنوات.
فجأة يدخل الهواء، ويتحرك الغبار، وتظهر أشياء لم تكن مرئية. قد تكون الفوضى صادمة في البداية، لأننا اعتدنا العيش داخلها دون أن نراها. لكن الرؤية، مهما كانت مزعجة، أرحم من العيش في عتمةٍ مريحة.
عند هذه النقطة يتغير سؤال الإنسان من:
«لماذا أفكّر هكذا؟»
إلى:
«هل هذه الفكرة تستحق أن أصدّقها؟»
وهذا السؤال وحده كفيل بتغيير مصائر كاملة.
فالحياة ليست فقط ما يحدث لنا، بل ما نسمح له أن يستقر في وعينا.
قد يمرّ الألم بالجميع، لكن ليس الجميع يسمح له أن يصبح تعريفًا لنفسه. وقد يزور الفشل كل إنسان، لكن بعضهم يحوّله إلى تجربة، بينما يحوّله آخرون إلى هوية.
الإنسان الذي يتصالح مع مراقبة أفكاره، يبدأ بإعادة كتابة داخله.
ليس عبر تجاهل الواقع، ولا عبر خداع نفسه بتفاؤلٍ مصطنع، بل عبر اختيارٍ واعٍ لما يمنحه سلطة البقاء في ذهنه. فالعقل مثل أرضٍ خصبة، ما يُزرع فيها لا يبقى فكرة فقط، بل يتحول مع الوقت إلى شعور، ثم إلى سلوك، ثم إلى مصير.
بالتالي، قد لا نستطيع اختيار كل ما يحدث لنا،
لكننا نملك قدرة مذهلة على اختيار أي الأفكار نُبقيها حيّة داخلنا.
فإمّا أن يعيش الإنسان عمره وهو ظلٌّ لأفكاره،
وإمّا أن يتعلم كيف يجعل أفكاره ظلًّا له.