صالح الشادي
في ليالي رمضان، تتزيَّن الموائد وتتفنَّن الأيادي في إعداد أصناف الطعام، وتتنافس القلوب في تقديم الأفضل للأهل والأحباب، لكن يبقى السؤال: أين يقع حد الكرم؟
ومتى يتحول العطاء الجميل إلى إسراف مذموم؟
ما زلت أتذكر تلك الليلة الرمضانية في الرياض في التسعينيات، حيث كنت أعيش شبه أعزب، وفي إحدى الليالي أصر صديق عزيز أن يرسل لي سحوراً، اعتذرت مراراً، لكن إصراره الجميل جعلني أوافق، وفي تلك الليلة كان يزورني ثلاثة من أعز الأصدقاء، منهم رجل الأعمال الأستاذ خالد الشثري، وفي موعد السحور وصلت شاحنة صغيرة، وبلا مبالغة، حملت عشرات الأطباق والحافظات، لحوم، أسماك، معجنات، أرز، خضراوات، حلويات، امتلأت صالة المنزل بما يكفي، وبلا مبالغة، لإطعام خمسين شخصاً!
تسحرنا نحن الأربعة، ثم جلسنا نتأمل ما حولنا من نعم، كان المشهد محيراً: بين نية حسنة صادقة، وتقدير جميل، وبين كمية تفوق الحاجة بعشرات المرات، وهنا كان تدخل خالد الشثري، الذي أنقذ الموقف باتصاله بإحدى الجمعيات الخيرية التي حضرت وأخذت الطعام لمستحقيه.
لم تكن تلك الليلة مجرد موقف عابر في ذاكرتي، بل كانت درساً في معنى الكرم الحقيقي، فلم يكن ما حدث كرماً، بل كان -بدافع التقدير والحب- إسرافاً وجنوناً، فكرماً أن تطعم جائعاً، أما أن تملأ بيوت الناس بما لا يحتاجون، فذاك إسراف يغلفه حسن النية.
وقد تغيَّرت معايير الكرم بين الماضي والحاضر، بتغيُّر الظروف والبيئة، ففي الماضي كان الكرم يُقاس بقدرة المضيف على إطعام الضيوف وإكرامهم، لكن في زمننا هذا، حيث يهدر ثلث الطعام المنتج عالمياً، بينما يموت الآلاف جوعاً يومياً، لا بد أن يعاد تعريف الكرم، فالكرم الحقيقي اليوم هو أن تقدِّم ما يكفي، وأن تدرك أن «حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه»، والكرم أن تتصدَّق بما يفيض عن حاجتك، لا أن تملأ الطاولة بما سيُرمى في القمامة غداً.
وما حدث في تلك الليلة يتكرر يومياً في مناسباتنا: أعراس، تخرّج، تكريم، ومناسبات رمضان من سحور وإفطار، نتنافس في الكم لا في الكيف، في المظهر لا في الجوهر، ننسى أن هناك جياعاً، وهناك من يموت يومياً بسبب الجوع، بينما نغرق في بحر من الإسراف.
يمكننا أن نتباهى بشيء آخر غير الإسراف في الطعام، يمكننا أن نتباهى بحسن التدبير، بجودة ما نقدم، باهتمامنا بالتفاصيل، بتذكرنا للمحتاجين قبل أن نملأ موائدنا، فالكرم الحقيقي ليس في كمية ما تقدم، بل في جودته وفي الشعور الذي يغلفه، ليس في ملء البطون، بل في ملء القلوب.
فلنجعل من مناسباتنا القادمة فرصة لإعادة تعريف الكرم، كرم بلا إسراف، عطاء بلا هدر، وتقدير يليق بنعم الله علينا، فلا نكفرها بالإسراف والتبذير.