د. محمد بن أحمد غروي
يحتفي المسلمون في جنوب شرق آسيا بشهر رمضان المبارك من خلال عادات متنوعة واستعدادات يطغى عليها روح البهجة، وفي مجتمعات تتسم بالتعددية العرقية والدينية، يتحول شهر رمضان إلى فرصة للتقارب بين الأديان وتشارك روح التفاهم والرحمة المرتبطة بشهر رمضان، ويصبح رمضان فرصة لتعزيز التعايش الديني المشترك بين شعوب دول جنوب شرق آسيا.
في إندونيسيا، أكبر بلد في العالم من حيث عدد السكان المسلمين، تُشكّل موائد الإفطار المشتركة بين مختلف الأديان وسيلةً هامةً لضمان السلام والوئام في المجتمع، وسط تنوّعه الثقافي والديني الغني، بمشاركة قادة من مختلف الطوائف الدينية - المسلمون والمسيحيون والهندوس والبوذيون والكونفوشيوسيون – يتشاركون فيها وجهات نظرهم حول الروحانية والتسامح والتعايش، ما يُسهم في بناء الاحترام والتفاهم المتبادل بينهم، ويُعزّز النسيج الاجتماعي لإندونيسيا، والنقاش حول القيم المشتركة بين مختلف الأديان، والتأكيد على قيم مثل الرحمة والامتنان وأهمية الوحدة.
في ماليزيا التي يمثل فيها المسلمون حوالي 64 % من السكان تقريبًا، وتعرف بكونها مجتمعًا متعدد الأعراق والأديان، تشكل فيه الديانة البوذية ثاني أكبر ديانة في البلاد، يُرى الانسجام الديني واضحاً في أزقتها المُزينة ودور العبادة التي تستعد للاحتفاء في نمط هادئ ولكنه قوي للاحتفال المشترك عبر الأعراق والأديان، إذ تزامن رمضان هذا العام مع احتفالات تايبوسام ورأس السنة الصينية في مشهد يجمع بين الإيمان والوحدة، ويجمع بين الألوان والثقافة والروحانية، ومؤكدًا على التناغم المتأصل في تنوع ماليزيا.
في كمبوديا، يحتفي المسلمون التشام برمضان بعادات خاصة، ومؤخرًا أصبحت مشاركة باقي الأعراق والأديان في موائد الإفطار أمرًا رائجًا وعادة متكررة، ورغم أن البوذية هي الدين الرسمي في كمبوديا، يشكلون فيها 95 % من السكان البالغ عددهم حوالي 15 مليون نسمة، ويبلغ عدد المسلمين حوالي 300 ألف شخص، لكن المسلمين في كمبوديا يصومون ويؤدون الشعائر الدينية في رمضان بسلام، خاصة مع حرص السلطات مؤخرًا على دعم الانسجام الديني في المملكة. وأصبحت عادة متبعة أن يعقد رئيس وزراء كمبوديا سنوياً مأدبة إفطار رمضانية مع الجالية المسلمة الكمبودية، مما يعكس التناغم الديني داخل المملكة، فيما دأبت الحكومة على تنظيم مأدبة الإفطار الرمضانية منذ عام 2014، باستثناء السنوات الثلاث التي شهدت انتشار جائحة كوفيد-19.
وفي سنغافورة التي يشكل فيها المسلمون 16 % من سكانها، يحيى المسلمون السنغافوريون رمضان من خلال الاحتفالات الكبرى المرتبطة بالبازارات أو الأسواق الرمضانية والتي تستقطب كثير من السنغافوريين والسياح، منتشرة في مختلف الأماكن في البلاد ليتسوقوا الوجبات الشهية والحلوى والعصائر لرمضان، وأضحت مشاركة الوزراء وأعضاء البرلمان من مختلف الأعراق والأديان المسلمون في مأدبة الإفطار خلال شهر رمضان عادة سنوية، في ممارسة تعكس التزام سنغافورة بالتفاهم بين الأديان، وهو ما يجعل شهر رمضان فرصة لتعميق الروابط بين مختلف المجتمعات، وتعزيز الوحدة الوطنية والوئام الاجتماعي.
في الفلبين، يمثل المسلمون حوالي 6 % فقط من مواطنيها، البالغ عددهم 6 ملايين مسلم تقريبا ويتركز غالبيتهم في إقليم مينداناو جنوب البلاد، ويبدأون احتفالاتهم بشهر رمضان مع يوم رؤية الهلال. حيث يبدأون في الدعاء والاستعداد للعبادات الرمضانية، كما يتميز شهر الصوم في الفلبين بتنظيم برامج الإفطار الجماعية بين العائلات والجيران. وفي سبيل تحقيق التعايش والوئام الديني أقرت الحكومة عدد من السياسات لتحقيق الدعم للمواطنين المسلمين من بينها اعتماد ساعات عمل مرنة خلال شهر رمضان دون عقوبات، والاعتراف بعيدي الفطر والأضحى كعطلات رسمية على مستوى البلاد.
وخلال هذا العام يتزامن بدء شهر رمضان وموسم الصوم الكبير للمسيحيين في الفلبين، ما يمثل فرصة نادرة للمسلمين والمسيحيين لتعزيز التضامن بين الأديان والعمل من أجل السلام وإظهار الكرم والرحمة بالفقراء، وأن يرافق الإيمان العمل الاجتماعي ونشر الانسجام الديني والاجتماعي بين البشر.
في تايلاند، يمثل المسلمون ثاني أكبر فئة سكانية بنسبة 12 % تقريباً، وبينما تشتهر البلاد بتقاليدها البوذية، فلدى المسلمين في محافظات باتاني ويالا وناراثيوات الجنوبية تقاليدهم الخاصة للاحتفال برمضان وإحياء الشهر الفضيل.
ومن أبرز هذه العادات «ترديد القرآن»، حيث تجتمع مجموعات في المساجد والمنازل كل مساء لتلاوة القرآن، مما يخلق جوًا روحانيًا عميقًا يتردد صداه في أرجاء المجتمع. وخلال الشهر الكريم يظهر الانسجام الديني في تايلاند بوضوح من خلال قدرة المسلمين على ممارسة شعائرهم الدينية في رمضان ومعايشة أجوائه إلى جانب أتباع مختلف الأديان في البلاد.