نجلاء العتيبي
على مقربةٍ من مسجد قباء، وفي موضعٍ يُعرَف بمصلَّى أُنيف، شهد المكانُ حادثةً ما كان لها أن تُذكر لولا أن ارتبطت بسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ النبي الذي شرَّف الله به الأزمنة والأمكنة، وجعل قربه رفعةً، وخدمته منزلةً.
هناك تجلَّى تقدير الصحابي طلحة بن البراء -رضي الله عنه- لقدر النبي صلى الله عليه وسلم؛ تقديرًا لم ينبع من عاطفة، بل من يقينٍ بمقامٍ اصطفاه الله ورفعه.
ولم تكن قيمة الموضع في حدوده الجغرافية، إنما في انتسابه إلى موطئ قدم النبي الكريم، وفي المعنى الذي حفظه؛ إذ بقي شاهدًا على لحظةٍ امتزج فيها الحرص بالمسؤولية، والرحمةُ بإجلال النبوة.
فكان طلحة من شباب الأنصار، مقربًا من رسول الله، معروفًا بملازمته له، وحين اشتدَّ عليه المرض حتى دخل في غيبوبة أوصى أهله بوضوحٍ: ألَّا يُخبروا النبيَّ بحاله، وألَّا يكون سببًا في خروجه إليه؛ لأن الطريق في تلك المرحلة لم يكن مأمونًا، والظروف تتطلَّب الحذر.
كان يعرف أن النبيَّ إذا علم بمرضه سيسعى لزيارته، ولم يُرِد أن يتحمَّل مسؤولية أي خطر محتمل.
دخل طلحة في غيبوبته، والأسرة التزمت بوصيَّته؛ محافظين على رغبة صحابيّهم، وملتزمين بالحذر في ظروف حسَّاسة.
هذا الموقف يُظهر مستوى من الإدراك يتجاوز الألم الشخصي، ويضع سلامة النبي فوق أي اعتبار.
بلغ الخبرُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لاحقًا فتوجَّه إلى بيت طلحة، امتثالًا لرحمته، ولرعاية أصحابه، كما كانت عادته دائمًا دخل فوجده في غيبوبته لا يعي حضور الزائر، غير أن النبي جلس عنده فدعا له، ووضع يده عليه، فكان ذلك تأكيدًا عمليًّا أن الرحمة لا تتوقَّف عند ظروف معينة، وأن القرب من الناس جزءٌ من الرسالة.
تتقابل في هذا الحدث صورتانِ عظيمتانِ: صحابي يُقدّم سلامة نبيّه على حاجته الشخصية، ونبيٌّ لا يترك أصحابه في لحظات الضعف، لم يُعاتب رسول الله الأسرة، ولم ينتقص من وصية طلحة، وإنما أكمل المشهد برعايةٍ هادئةٍ تُؤكد أن القرب الحقيقي لا يُقاس بالحضور الظاهر، وإنما بالحرص الفعلي.
بعد أيام تُوفي طلحة -رضي الله عنه- ولم يُبلَّغ رسول الله بوفاته؛ امتثالًا لوصيَّته غير أن النبي صلى الله عليه وسلم علم بالأمر لاحقًا فتوجَّه إلى قبره، ودعا له واستغفر، وأظهر من العناية ما يدلُّ على أن الرابطة لم تنقطع بالوفاة، وأن الوفاء يمتدُّ إلى ما بعد الدفن.
في محيط قباء يتضح درسٌ كاملٌ في معنى المسؤولية والحرص: تقدير الظروف، مراعاة سلامة النبي، الوفاء بالوصية، والثبات على القيم. فلم يكن الموقف ظاهرًا في صخبه، وإنما دقيقًا في تفاصيله يحملُ من الدلالات ما يصنع نموذجًا للعلاقة بين النبي وأصحابه، بين القيادة والمحبَّة المسؤولة.
يبقى مُصلَّى أُنيف علامةً على أن السيرة النبوية الشريفة ليست مجرد سرد تاريخي، وإنما منهج عملي يُستفاد منه.
فالرحمة النبوية هنا لم تكن شعارًا، وإنما ممارسة عملية تظهر في زيارة مريضٍ، أو دعاء عند قبرٍ، وتكشف عن حجم العظمة، وعمق الوعي، ووفاء القلب.
ضوء
«وأحسنُ منكَ لم تَرَ قطُّ عيني
وأجملُ منكَ لم تَلِدِ النساءُ
خُلِقتَ مُبَرَّأً من كلِّ عيبٍ
كأنَّكَ قد خُلِقتَ كما تشاءُ».
- حسان بن ثابت شاعر الرسول.