رسيني الرسيني
اعتادت الاقتصادات أن تُقاس بما يمكن رؤيته من: مصانع تُبنى، وسلع تُنتج، وصادرات تعبر الحدود. غير أن التحول الأكبر في الاقتصاد العالمي لم يحدث في المصانع، بل في طريقة خلق القيمة نفسها.
فاليوم، قد تنمو الاقتصادات دون أن يزداد عدد مصانعها، وقد ترتفع إنتاجيتها دون توسع مادي واضح، لأن الثروة لم تعد تُولد فقط من الأشياء، بل من المعرفة التي تديرها.
وفي المملكة، يتشكل هذا التحول بهدوء؛ إذ تنمو طبقة اقتصادية جديدة لا تعتمد على الأصول الملموسة بقدر اعتمادها على البيانات والمنصات الرقمية والقدرة على اتخاذ القرار بسرعة وكفاءة. إنه اقتصاد لا يُرى فورًا في المؤشرات التقليدية، لكنه يعيد تعريف معنى النمو الاقتصادي ذاته.
ظل الناتج المحلي الإجمالي لعقود المقياس الأهم لقوة الاقتصادات، لكنه صُمم في عصر صناعي كانت فيه القيمة مرتبطة بالإنتاج المادي. أما في الاقتصاد الرقمي، فإن جزءًا متزايدًا من القيمة يتجسد في تقليل الزمن، وتحسين الكفاءة، وخفض عدم اليقين وهي عناصر يصعب قياسها مباشرة. فعندما تختصر الخدمات الحكومية الرقمية أيامًا من الإجراءات إلى دقائق، أو حين تتحول المدفوعات إلى عمليات فورية، فإن الاقتصاد يصبح أكثر إنتاجية دون أن يظهر ذلك كاملًا في أرقام الناتج المحلي. ولهذا بدأت بعض الأبحاث الاقتصادية تتحدث «فجوة القياس»، حيث يصبح النمو الحقيقي أكبر مما تعكسه المؤشرات التقليدية، لأن القيمة أصبحت معرفية أكثر منها مادية.
في الحالة السعودية، يتجسد الاقتصاد غير المرئي عبر تسارع التحول الرقمي الحكومي، وانتشار المدفوعات الإلكترونية التي تجاوزت ثلاثة أرباع عمليات الدفع، وصعود منظومة التقنية المالية والتأمينية التي تعيد تعريف العلاقة بين المخاطر ورأس المال.
هذه التحولات لا تضيف فقط قطاعات جديدة، بل تغيّر طريقة عمل الاقتصاد بالكامل؛ إذ تتحول البيانات إلى أصل اقتصادي، وتصبح المنصات الرقمية بنية تحتية تعادل في أهميتها الطرق والموانئ في الاقتصاد التقليدي. ومع توسع الاقتصاد الرقمي إلى ما يقارب 15% من الناتج المحلي، يظهر أن جزءًا كبيرًا من النمو السعودي الحالي يحدث عبر رفع الكفاءة الاقتصادية قبل زيادة الحجم الاقتصادي نفسه.
التحول الأعمق لا يكمن في التقنية ذاتها، بل في انتقال الاقتصاد من الاعتماد على الموارد إلى الاعتماد على جودة القرار؛ ففي الاقتصاد الصناعي كانت الميزة التنافسية تُبنى على وفرة الموارد، أما في الاقتصاد الرقمي فتُبنى على سرعة تحليل المعلومات ودقة تسعير المخاطر وكفاءة تخصيص رأس المال.
وهنا تبرز أهمية التقنيات المالية والتأمينية، ليس باعتبارها ابتكارًا تقنيًا فحسب، بل كأدوات تجعل الاقتصاد قادرًا على فهم وإدارة المخاطر بشكل أفضل. هذا التحول يمثل انتقالًا فكريًا قبل أن يكون اقتصاديًا، حيث تصبح المعرفة هي البنية التحتية الحقيقية للنمو.
حسنًا، ثم ماذا؟
إذا كان القرن العشرون قد قاس قوة الاقتصادات بحجم إنتاجها، فإن القرن الحادي والعشرين يقيسها بقدرتها على التعلم والتكيف. وما تشهده المملكة اليوم يعد مثالًا حيا على اقتصاد يبني كفاءته المستقبلية قبل أن تظهر نتائجه الكمية بالكامل.